رسالة من فتاة كويتية غير شيعية تتضمن تساؤلات متعددة حول العقيدة الإسلامية والتشيع

شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp

‏‏السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
أختكم الجازي من الكويت، انا سنيه، و أحترم مذهبكم كثيرا لانني اؤمن بأن المسلمين سواسيه و يتفقون على وحدانية الله تبارك و تعالى و كذلك بنوبة محمد عليه الصلاة و السلام، و لكن كما تعرفون أن الكلام قد كثر عن مذهبكم و كذلك عن مذهبنا،لم أرد أن اسال أصدقائي الشيعة عنها، ولكن كل ما فعلت انني طلبت عنوانكم البريدي لأراسل الشيخ ياسر الحبيب، حيث انه صاحب علم و أتمنى ان يفيدني، عندي بعض الإستفسارات و اتمنى ان تجيبوني عليها.
1- قد سمعت من بعض أهل السنه انكم تقدسون مدينة كربلاء أكثر من مكه، بل انكم كما يقول البعض انكم تحجون لها و لقبورها. وتعتبرون ان اجرها اعظم من الحج، فهل هذا صحيح؟ و مالدليل، واني والله أشك في هذا الكلام، بل انني لا اصدقه و إن كان هذا حج؟ فمالمقصود به؟، أحب ان اسمع منكم لا من غيركم.
2- نحن نؤدي الزكاة و انتم كذلك، ولكني أسمع عن شئ يقال له الخمس. فما هو؟؟ و ماهي دلائله؟و ما الفرق بينه و بين الزكاة؟ و هل يوجد في صحاحنا ما يثبته؟
3- ما هي حقيقة الزحف أمام قبور أهل البيت؟ اهي من الجهلاء منكم؟ ام أنه يجوز الزحف أمام القبور عندكم ؟ مع أن أحدى صديقاتي قالت لي ان هذا من العوام و ليس من المذهب.
4- ما هي حقيقة التطبير ؟ اهي من عاداتكم و تقاليدكم؟ امن ان مذهبكم ينص عليه؟ و هل صحيح ان بعض علماء الشيعه حرموه و البعض الاخر سمحو به ؟
5- سمعت من الكثير من الشيعه أن عليا كرم الله وجهه إمام و معصوم، ماهو الدليل على أنه إمام و معصوم؟ وهل صحيح انه كان من المفروض أن يكون الخليفة الأول لا أبي بكر؟؟
6- لماذا لا تعترفون بصحيح البخاري؟ مع انه جمع الكثير من الأحاديث لسنين طويله
7- سمعت عن شخص يقال له المهدي المنتظر . ماهي حقيقته؟ هل يوجد في صحاحنا مايدل عليه؟
8- هل صحيح أن الشيعة يعتقدون بتحريف القران؟ مع اني والله اشك في هذا الكلام و أعتبره افتراء عليكم.ولكني كما قلت احب أن اسمع من أهل العلم، لا من العامه. و هل صحيح أن الشيعة يقولون بأن بعض الصحابة و كذلك أهل السنة المعاصرين قالوا بتحريفه ؟ و ماهو الدليل ؟
9- لماذا يبغض الشيعة أم المؤمنين عائشة مع أن الاية تقول النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ؟
10- و لماذا يحب الشيعة يحب الشيعة أبو لؤلؤة المجوسي؟ ويرضون عنه؟ مع انه لم يكن مسلما بل كان مجوسيا .
وشكرا، أتمنى أن لا تكون أسألتي ثقيلة عليكم، و اتمنى أن تعطوني أدلة مقنعه يمكن الإعتماد عليها.
و اني انتظر الرد على أسألتي وأتمنى ان أتلقى الإجابة في أسرع وقت ممكن
و دمتم في رعاية الله .
الجازي


باسمه تقدست أسماؤه. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ج1: قد ثبت عن الأئمة الأطهار من آل النبي المختار (صلوات الله عليهم) أن أرض كربلاء المقدسة أفضل من أرض مكة المعظمة، وأنها أفضل بقاع الأرض، بل أنها أفضل أرض في الجنة. وقد ورد هذا المعنى في روايات معتبرة مستفيضة.
ولو أصرّ مخالفونا على إنكار ذلك التزاما منهم بمقاطعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) فإنّ بالإمكان إثباته أيضا من مصادرهم وأقوال أئمتهم وعلمائهم، وذلك بالتقريب التالي:
قد روى البخاري عن رافع بن خديج عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ”المدينة خيرٌ من مكة“. (التاريخ الكبير للبخاري ج1 ص 160 وكذلك رواه الطبراني في المعجم الكبير ج4 ص288).
ولهذا فإن عمر بن الخطاب، ومالك بن أنس إمام المالكية، وأكثر علماء المدينة كانوا يعتقدون بذلك. قال المناوي: ”المدينة خير من مكة لأنها حرم الرسول صلى الله عليه وسلم ومهبط الوحي ومنزل البركات وبها عزّت كلمة الإسلام وتقرّرت الشرائع وأُحكمت، وغالب الفرائض فيها نزلت، وبه تمسّك مَن فضّلها على مكة، وهو مذهب عمر ومالك وأكثر المدنيّين“. (فيض القدير للمناوي ج6 ص343). وقال ابن كثير: ”وقد ذهب الإمام مالك وأصحابه إلى أن مسجد المدينة أفضل من المسجد الحرام لان ذاك بناه إبراهيم، وهذا بناه محمد صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم عليه السلام“. (البداية والنهاية لابن كثير ج3 ص267).
وحتى الذين فضّلوا الكعبة على المدينة من علماء المخالفين؛ قد استثنوا من ذلك قبر النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا أنه أفضل حتى من الكعبة، وقد حُكي الإجماع على ذلك، وبعضهم فضّل القبر الشريف حتى على عرش الله تعالى وكرسيّه. قال المناوي: ”الكعبة أفضل من المدينة اتفاقا خلا البقعة التي ضمّت أعضاء الرسول صلى الله عليه وسلم فهي أفضل حتى من الكعبة كما حكى عيّاض الإجماع عليه“. (فيض القدير للمناوي ج6 ص343). وقال ابن عابدين: ”ما ضم أعضاءه الشريفة فهو أفضل بقاع الأرض بالإجماع“. (حاشية رد المحتار لابن عابدين ج2 ص688). وقال الحصفكي: ”ما ضم أعضاءه عليه الصلاة و السلام أفضل مطلقا حتى من الكعبة والعرش والكرسي“. (الدر المختار للحصفكي ج2 ص688).
ولهذا فقد قالوا بأن ثواب الصلاة والعبادة في المسجد النبوي الشريف أعظم منه في المسجد الحرام. قال الدسوقي: ”وحيث كانت المدينة أفضل فيكون الثواب المترتب على العمل في مسجدها من صلاة أو اعتكاف أكثر من الثواب المترتب على العمل في مسجد مكة“. (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج2 ص173).
فعلى هذا تكون المدينة المنورة أفضل من مكة المكرمة، والمرقد الشريف للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أفضل من الكعبة الشريفة، وما ذلك إلا لاحتوائه على أعضائه الطاهرة صلوات الله عليه وآله، وهذا هو مناط التفضيل، فإذا وجدنا الشرع قد عدّى هذا المناط إلى فرد آخر بجعله له الاعتبار ذاته؛ وجب حينها الحكم نفسه.
وقد وجدنا الشرع قد نطق بقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: ”حسين مني وأنا من حسين“. (رواه البخاري في التاريخ الكبير ج8 ص415 والترمذي في سننه ج5 ص658 وأحمد في مسنده ج4 ص172 وغيرهم كثير وقد صحّحه الألباني في سلسلته الصحيحة برقم 1227).
وبدلالة هذا الحديث يُفهم أن الشرع قد ساوى بين الاعتباريْن، فكل اعتبار للنبي (صلى الله عليه وآله) يكون لسبطه (عليه السلام) والعكس، إلا ما خرج بدليل الاستثناء الخاص. وبناءً عليه فمناط التفضيل متحد بينهما، فالأرض التي دُفن فيها الحسين (عليه السلام) لها الاعتبار الشرعي ذاته للأرض التي تحوي أعضاء جدّه (صلى الله عليه وآله)، والقبر الذي ضمّ أعضاء الحسين (عليه السلام) له الاعتبار الشرعي ذاته للقبر الذي ضمّ أعضاء جدّه (صلى الله عليه وآله)، فتكون النتيجة أن أرض كربلاء المقدسة كما أرض المدينة المنورة أفضل من أرض مكة المكرمة، والمرقد الحسيني المقدّس كالمرقد النبوي الشريف أفضل من الكعبة المعظمة، سيّما مع ما ورد من أن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة، وفي هذا حديث شريف عن عبد الله بن عمرو قال: ”رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك“. (سنن ابن ماجه ج2 ص1297).
وإذ تبيّن لكِ ذلك؛ تعرفين أن الذين يشنّعون على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) اعتقادهم بأفضلية وأقدسية أرض كربلاء إنما يكيلون بمكيالين، ففي حين أن خليفتهم عمر وإمامهم مالك وجمعا كثيرا من علمائهم يفضّلون المدينة ويقدّسونها أكثر من مكة، وبلغ بهم التقديس أن قالوا أن القبر النبوي الشريف أفضل حتى من العرش والكرسي؛ مع هذا تجدينهم يتعاموْن عن ذلك ويرمون سهام هجومهم على الشيعة فقط! موهمين عوام الناس بأن الشيعة منفردون باعتقاد مفضولية مكة، والحال أنهم يشتركون مع غيرهم بهذا، فلماذا لا يشنّع هؤلاء الناصبة على خليفتهم عمر وإمامهم مالك ويرمونهما ومن مال إليهما في استبعاد مكة عن الأفضلية بالزيغ والضلالة؟! أم أن عين الرضى عن كل عيب كليلة؟!
هذا والشيعة يحفظون لمكة المكرمة حرمتها، ويعتبرونها حرم الله تعالى، ومن أقدس بقاع الأرض وأشرفها، والكعبة المشرفة فيها هي قبلتهم في الصلاة لا يعدلون عنها إلى غيرها، وحجّهم إليها في كل عام فلا يجوّزون أداء مناسك الحج في غيرها. وقد رُويت أحاديث عديدة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في بيان فضل مكة وشرفها، منها ما عن الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث ميسر بن عبد العزيز، قال: ”كنت عند أبي جعفر عليه السلام وعنده في الفسطاط نحو من خمسين رجلاً، فجلس بعد سكوت منا طويلاً فقال: ما لكم؟! لعلكم ترون أني نبي الله! والله ما أنا كذلك، ولكن لي قرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وولادة، فمن وصلنا وصله الله ، ومن أحبَّنا أحبَّه الله عزَّ وجل، ومن حرمنا حرمه الله، أتدرون أي البقاع أفضل عند الله منزلة؟ فلم يتكلم أحد منا، فكان هو الراد على نفسه، فقال: ذلك مكة الحرام التي رضيها الله لنفسه حرماً، وجعل بيته فيها. ثم قال: أتدرون أي البقاع أفضل فيها عند الله حرمة؟ فلم يتكلم أحد منا، فكان هو الراد على نفسه، فقال: ذلك المسجد الحرام. ثم قال: أتدرون أي بقعة في المسجد الحرام أعظم عند الله حرمة؟ فلم يتكلم أحد منا، فكان هو الراد على نفسه، قال: ذاك ما بين الركن الأسود والمقام وباب الكعبة، وذلك حطيم إسماعيل عليه السلام، ذاك الذي كان يذود فيه غنيماته ويصلي فيه، والله لو أن عبداً صفَّ قدميه في ذلك المكان، قام الليل مصلياً حتى يجيئه النهار، وصام النهار حتى يجيئه الليل، ولم يعرف حقَّنا وحرمتنا أهل البيت، لم يقبل الله منه شيئا أبدا“. (ثواب الأعمال للصدوق ص245).
أما غير الشيعة من الذين يسمّون أنفسهم بأهل السنة والجماعة فقد وجدناهم قد رموا الكعبة بالمنجنيق وأحرقوها بالنار وهدموها فلم يحفظوا لها حرمة! قال الطبري: ”وصابرهم ابن الزبير يجالدهم حتى الليل، ثم انصرفوا عنه؛ وهذا في الحصار الأول. ثم إنهم أقاموا عليه يقاتلونه بقية المحرم وصفر كله، حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول يوم السبت سنة أربع وستين قذفوا البيت بالمجانيق، وحرقوه بالنار“! (تاريخ الطبري ج4 ص383) وقال المسعودي: ”فتواردت أحجار المجانيق والعرادات على البيت، ورمي مع الأحجار بالنار والنفط ومشاقات الكتان وغير ذلك من المحرقات، وانهدمت الكعبة“! (تاريخ المسعودي ج1 ص379) وقال السيوطي: ”ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل مع شربه الخمر وإتيانه المنكرات اشتد عليه الناس وخرج عليه غير واحد ولم يبارك الله في عمره وسار جيش الحرة إلى مكة لقتال ابن الزبير فمات أمير الجيش بالطريق فاستخلف عليهم أميراً وأتوا مكة فحاصروا ابن الزبير وقاتلوه ورموه بالمنجنيق وذلك في صفر سنة أربع وستين واحترقت من شرارة نيرانهم أستار الكعبة وسقفها وقرنا الكبش الذي فدى الله به إسماعيل وكان في السقف“! (تاريخ الخلفاء للسيوطي ج1 ص182).
كما وجدنا هؤلاء الذين يدّعون أنهم مسلمون موحدون ومن أهل السنة والجماعة يؤدون مناسك الحج في غير مكة المكرمة! فقد حوّلوا في بعض السنين الحج إلى الصخرة المزعومة في بيت المقدّس فكانوا هناك يطوفون حولها ويسعون ويحلقون شعورهم ويذبحون أضاحيهم! قال ابن كثير: ”وبلغ ذلك عبد الملك فمنع الناس من الحج فضجوا، فبنى القبة على الصخرة والجامع الأقصى ليشغلهم بذلك عن الحج ويستعطف قلوبهم، وكانوا يقفون عند الصخرة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة وينحرون يوم العيد ويحلقون رؤوسهم“! (البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص308 عن صاحب مرآة الزمان).
أما الذين يفترون الكذب ويزعمون أن الشيعة ”يحجّون“ إلى كربلاء المقدسة فغرضهم هو خداع السذج من الناس بأن الشيعة يؤدون مناسك الحج في كربلاء! والحال أنهم إنما يقصدون كربلاء لزيارة سبط رسول الله وريحانته أبي عبد الله الحسين وأهل بيته وأصحابه الذين استشهدوا بين يديه صلوات الله عليهم، وليس هناك إحرام أو طواف أو سعي أو تحليق أو تقصير أو وقوف أو مبيت أو رمي جمار أو ذبح هدي! وإنما هي زيارة وصلاة ركعتيْن، كما يزور الناس رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويصلون عنده في روضته الشريفة ركعتين. ومعنى الحج بالأصل اللغوي هو القصد، لكن الشيعة لا يطلقون هذا الوصف على زيارتهم كربلاء لما له من حقيقة شرعية خاصة وهي الحج إلى مكة المكرمة لأداء المناسك والشعائر الدينية المخصوصة.
وقد بلغ الكذب في هؤلاء النواصب حدّ زعمهم أن الشيعة قد بنوا كعبة أخرى في كربلاء! وذلك باستغلالهم صورة من صور الاحتفالات بميلاد أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الثالث عشر من شهر رجب حيث قام أهالي كربلاء بصنع مجسّم للكعبة المشرفة باعتبار أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد وُلد فيها، تماما كما يصنعون مجسّما للقبة النبوية الخضراء يوم ميلاد النبي الأكرم في السابع عشر من شهر ربيع الأول، وكما يصنعون مجسّمات لقباب الأئمة الأطهار (عليهم السلام) في كثير من أنحاء الدنيا للاحتفال بمناسبات مواليدهم، فهي عادة احتفالية ليس إلا، توضع فيها هذه المجسّمات كمظهر جمالي على منصات الاحتفال حيث تُلقى الخطابات والأشعار، ثم تُرفع ويأخذها منظمو الاحتفالات بعد انتهائها، إلا أن الوهابيين والنواصب والذين في قلوبهم مرض استغلوا صور هذه الاحتفالات ووزعوها في أرجاء العالم الإسلامي بدعوى أن الشيعة يصنعون كعبة أخرى في كربلاء ليستغنوا عن الحج إلى مكة! فقاتلهم الله أنى يؤفكون!
أما عن مسألة ثواب زيارة الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) فنعم؛ قد وردت روايات مؤكدة عن أهل بيت النبوة (عليهم الصلاة والسلام) أن في زيارته ثوابا عظيما يعادل ألف حجة مبرورة ونحو ذلك. ففي الحديث الشريف عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (صلوات الله وسلامه عليه) قال: ”من زار قبر الحسين عليه السلام ليلة النصف من شعبان وليلة الفطر وليلة عرفة في سنة واحدة كتب الله له ألف حجة مبرورة، وألف عمرة متقبّلة، وقُضيَت له ألف حاجة من حوائج الدنيا والآخرة“. (وسائل الشيعة ج14 ص476).
وليس معنى ذلك أن الحج إلى مكة يسقط عن ذمة المكلّف إذا زار الحسين عليه السلام! ولا معناه أن زيارته (عليه السلام) تؤدّى فيها ما يؤدّى في الحج من أعمال ومناسك! بل المعنى أن المؤمن إذا قام بهذا العمل المستحب - وهو زيارة الحسين عليه السلام - يكتب الله تعالى له أجرا عظيما يعادل أجر وثواب ألف حجة وألف عمرة ويقضي له ألف حاجة، وهذا من كرم الله تعالى وجوده وإحسانه وفضله.
وقد ورد نظيره عندنا وحتى في بعض مصادر المخالفين بالنسبة لأعمال أخرى، فقد رُوي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: ”لرَدُّ دانق من حرام ليعدل عند الله سبعين ألف حجة مبرورة“. (من مصادرنا: الدعوات للرواندي ص25 ومن مصادرهم: الأنساب للسمعاني ج4 ص87).
وهكذا جعل الله تعالى لبعض الأعمال الواجبة والمستحبة أجرا عظيما، والله يرزق من يشاء بغير حساب، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
ج2: الخمس فريضة إسلامية تقضي بدفع خمس ما يربحه المسلم مما فاض عن مؤونته، سواء كان ذلك الربح من المكاسب كالتجارة والعمل، أم من غنائم الحرب، أم من استخراج المعادن في باطن الأرض، أم من استخراج اللؤلؤ والمرجان وما أشبه من الغوص في الماء، أم من العثور على الكنوز، أم من المال الحلال المختلط بالحرام. وكذا يجب الخمس على الذمي إذا اشترى أرضاً من مسلم.
وهذا الخمس ثابت في كتاب الله تعالى والسنة الشريفة. ففي كتاب الله قوله عزّ من قائل: ”وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ“. (الأنفال: 42).
ومن السنة الشريفة قول رسول الله صلى الله عليه وآله: ”أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس“. (صحيح البخاري ج1 ص22).
وهذا الخمس قد فرضه الله تعالى إكراما لنبيّه وأهل بيته (عليهم الصلاة والسلام) وذريّته عوضاً عن الزكاة التي لا تحلّ لهم، فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: ”إن الله لا إله إلا هو لمّا حرّم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام والخمس لنا فريضة، والكرامة لنا حلال“. (وسائل الشيعة).
ويقسّم الخمس إلى ستة أسهم كما هو منطوق الآية الكريمة، سهم لله، وسهم للرسول، وسهم لذوي قرباه، وهذه الثلاثة - التي هي نصف الخمس - تُعطى للنبي (صلى الله عليه وآله) فإذا فُقِد فلنائبه الإمام (عليه السلام) فإذا تعذّر ذلك أو غابَ أُعطي لنائبه وهو الفقيه الجامع للشرائط، فيصرفه الفقيه في ما يحفظ الدين ويقيم شريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، كتأسيس المساجد والحسينيات والحوزات العلمية ودور النشر وما أشبه.
والأسهم الثلاثة الأخرى؛ فسهم ليتامى آل محمد (صلى الله عليه وآله)، وسهم للمساكين منهم، وسهم لأبناء السبيل منهم، فتُعطى للمحتاجين من هؤلاء بمأذونية الفقيه الجامع للشرائط.
فهذا هو حكم الخمس، وهو كما ترين مختلف عن الزكاة، والمسلمون - أي الشيعة - يتلزمون بأدائه أما غيرهم فلا! مع أنه حكم قد فرضه الله تعالى في كتابه. وحجة هؤلاء الممتنعين عن الأداء هي أن الخمس واجب في غنائم الحرب فقط! مع أن الله تعالى يقول: ”وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ“ فلم يخصّص الغنيمة بالتي تكون من الحرب وإنما أطلقها إطلاقاً، والغنيمة في اللغة هي مطلق ما يحصل عليه الإنسان، وقد اعترف القرطبي بأن الآية ليس فيها تخصيص فيجب أن يشمل حكم دفع الخمس كل الغنائم التي يحصل عليها الإنسان، سواءً حصل عليها من ساحة الحرب والقتال أم لا، إلا أنه - أي القرطبي - دافع عن مذهب قومه بتخصيص الخمس بغنائم الحرب بأن ذلك هو عُرف الشرع، ويقصد بذلك ما تسالم عليه فقهاء مذهبه، ولا يخفى بطلانه. قال: ”وَاعْلَمْ أَنَّ الاتِّفَاقَ حَاصِل عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء؛ مَال الْكُفَّار إِذَا ظَفِرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وَجْه الْغَلَبَة وَالْقَهْر. وَلا تَقْتَضِي اللُّغَة هَذَا التَّخْصِيصَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ, وَلَكِنَّ عُرْف الشَّرْع قَيَّدَ اللَّفْظَ بِهَذَا النَّوْع“! (تفسير القرطبي ج8 ص1).
ولو أن القرطبي وأضرابه قد رجعوا إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لعرفوا أن حكم الخمس أعمّ من ذلك، بل إنهم لو دقّقوا في ما يروونه بأنفسهم عن سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأدركوا ذلك، فإنهم قد رووا أنه (صلى الله عليه وآله) قد أرسل مع عمرو بن حزم كتابا لبني عبد كلال في اليمن شكرهم فيه على امتثالهم أداء فريضة الخمس، فكتب صلى الله عليه وآله: ”وأعطيتم من الغنائم خمس الله عز وجل“. (سنن البيهقي ج4 ص89 ومستدرك الحاكم ج1 ص395 وكنز العمال ج3 ص186 عن الطبراني وغيرهم كثير).
وبنو عبد كلال ما خاضوا آنذاك حربا قط، ومع ذلك فقد أخذ (صلى الله عليه وآله) منهم الخمس، فعلمنا من ذلك أن الخمس يشمل كل يحصل عليه الإنسان لا غنائم الحرب فقط.
ثم إن المخالفين البكريين قد اختلفوا حتى في خمس غنائم الحرب! فوقعوا في حَيْصَ بَيْص! لا يعرفون لمن يُعطون هذا الخمس بعد رحيل نبي الرحمة صلى الله عليه وآله! ولا يعرفون أقسام هذا الخمس وأسهمه، وكان من أطرف ما ذكره بعض علمائهم أن نصيب الله من الخمس يجب أن يوضع في الكعبة! قال ابن كثير: ”اِخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ هَهُنَا فَقَالَ بَعْضهمْ: لِلَّهِ نَصِيب مِنْ الْخُمُس يُجْعَل فِي الْكَعْبَة“! (تفسير ابن كثير ج2 ص323).
ج3: منذ زمان حكومة بني أمية، مرورا بحكومة بني العباس وحكومة بني عثمان، إلى أن آلت النوبة إلى حكومة البعث المقبور في العراق؛ كان المؤمنون الذين يتوافدون على زيارة مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء المقدسة يتعرضون إلى صنوف التنكيل والعذاب، فقد كان همّ تلك السلطات الناصبية الغاشمة هو منع هذه الزيارة لمحو ذكر سيد الشهداء والأحرار صلوات الله عليه، فإن تذاكر الناس له ولثورته العظيمة يجعلهم يقتدون به ويستلهمون منه فيثورون على تلك الحكومات الظالمة، وهذا ما كانت تخشاه ولذا كانت تبذل كل ما في وسعها لإرهاب المؤمنين الزوّار بمختلف الوسائل، وكان من تلك الوسائل في عصر من العصور أنهم كانوا يقطعون يديْ ورِجْليْ كل زائر يقبضون عليه! ومع ذلك كان المؤمنون مستمرّين في الزيارة ولو زحفا بأبدانهم! ورفعوا شعارا هو بيت شعر يقول:
لو قطعوا أرجلنا واليديْن نأتيك زحفا سيدي يا حسين!
وكلما زاد النواصب والمعادون لأهل البيت حربهم الإجرامية ضد زيارة الحسين (عليه السلام) كلما زاد المسلمون المؤمنون إصرارا وتحديا، واليوم يكمل أتباع الأمويين والعباسيين والعثمانيين وأيتام البعثيين ولقطاء الوهابيين حربهم ضد الحسين وأتباعه وشيعته ومحبيه، فيقطعون طريق الزوار بالمفخخات والاغتيالات والأعمال الإرهابية المتنوعة، ومع هذا فإن المؤمنين على عهدهم ووفائهم يمضون قدما في زيارة إمامهم وسيّدهم (صلوات الله عليه) غير آبهين بشيء ولا تزيدهم الأعمال الوحشية التي تُرتكب يوميا ضدهم في العراق إلا شجاعة وعزيمة على ما هم عليه.
وفي وسط هذه الأجواء، وكنوع من التحدّي العلني، يقوم جمع من المؤمنين المخلصين بتجسيد حيٍّ للشعار المذكور، فيزحفون نحو ضريح سيد الشهداء (عليه السلام) وهم يهتفون: ”لو قطعوا أرجلنا واليدين؛ نأتيك زحفا سيدي يا حسين“! مُبدين غاية الخضوع والتذلل لإمامهم، مستشعرين آلام أسلافهم الذين قُطعت أيديهم وأرجلهم، موطّنين أنفسهم على تحمّل المشاق في هذا السبيل، ومقدّمين صورة رائعة عن الاستعداد للتضحية ومواجهة الظالمين.
فهذه هي الفلسفة العظيمة لهذه الشعيرة وغيرها من الشعائر الحسينية، كلّها تجسيد للمبادئ والمُثُل العليا التي يؤمن بها المسلم الوفيّ المخلص لأهل بيت رسول الله صلوات الله عليهم.
وهذا العمل مستحب شرعاً لما فيه من تعظيم لله ولأوليائه عليهم السلام، ولما ينطوي عليه مما ذكرناه من غايات تصبّ في تعميق الروح الإيمانية لدى الأفراد. وإجمالا؛ فإن كثيرا من الشعائر الدينية إنما هي في الحقيقة إعادة تمثيل لما جرى، فإنكِ لو تأمّلتِ في شعائر الحج مثلا؛ لوجدتِ أن الطواف إعادة تمثيل لما صنعه إبراهيم عليه السلام، وكذا الصلاة خلف مقامه، والسعي بين الصفا والمروة تمثيل لما صنعته هاجر عليها السلام، وذبح الهدي تمثيل لما جَرى لفداء إسماعيل عليه السلام، وهكذا رمي الجمار والوقوف بعرفة وغير ذلك.
والتطبير الذي هو إسالة الدماء من الرأس إنما هو من هذا القبيل أيضا، فهو إعادة تمثيل لما جرى على الحسين وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام) في واقعة الطف، استشعارا لآلامهم، ومواساة لهم، واستذكارا لمحنتهم، وإظهارا للاستعداد للتضحية بالنفس لأجل نصرتهم وهي نصرة الدين والحق والعدل.
وهذا العمل مستحب شرعاً، وقد أجراه الله تعالى على نبيّه إبراهيم (عليه السلام) فقد ورد في الحديث: ”أن إبراهيم عليه السلام مرّ في أرض كربلاء وهو راكب فرسا فعثرت به وسقط إبراهيم وشُجَّ رأسه وسال دمه! فأخذ في الاستغفار وقال: إلهي أي شيء حدث مني؟ فنزل إليه جبرئيل عليه السلام وقال: يا إبراهيم ما حدث منك ذنب، ولكن هنا يُقتل سبط خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء، فسال دمك موافقة لدمه“. (بحار الأنوار ج44 ص243).
ثم إن هذا العمل بنفسه مستحب لأنه نوع من أنواع الحجامة التي أوصى بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووصفها بأنها تغيث الإنسان من الأمراض، وهذا ثابت حتى في مصادر المخالفين، فقد رُوي عن ابن عمر قال: ”كان رسول الله يحتجم هذا الحجم في مقدَّم رأسه ويسمّيه أم مغيث“. (المعجم الأوسط للطبراني ج8 ص16).
وعليه فالتطبير بنفسه مستحب، فإذا اقترن أداؤه بالمواساة لسيد الشهداء (عليه السلام) زاد استحبابه وكان خيرا على خير، وهو مفيد طبّياً وهذا ثابت عند الأطباء، فالذين يواظبون على أداء هذه الشعيرة المقدّسة يكونون أقل من غيرهم عُرضة للإصابة بالجلطة الدماغية، بل إننا نعرف بعض الذين نجوا منها بفضل التطبير. وهو أيضا يوطّن النفس على الشجاعة والبطولة وتحمّل الأهوال، فيكون نوعا من التدريب العسكري، وقد استخدمته الجيوش العثمانية في ما مضى لتقوية قلوب أفرادها.
أما أن بعض علماء الشيعة قد حرّموا التطبير فهذا وهم، فليس أحد من العلماء حرّمه، والذين حرّموه ليسوا من العلماء فهم جهلة، وليسوا من الشيعة فهم بتريّون.
ج4: قد تبيّن لكِ ما سابقه.
ج5: إن مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليهما) هو الخليفة الشرعي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام المعصوم الذي نصبه الله تعالى في هذا المقام وأوصى إليه رسوله، وهناك مئات الأدلة بل الألوف تثبت ذلك لا دليل واحد فقط! يكفيكِ فقط أن تعرفي أن واحداً من علمائنا هو العلامة الحلي (رضوان الله تعالى عليه) قد ألّف كتابا اسمه (الألفين) ومن اسمه تعرفين أنه ذكر ألفيْ دليل على إمامة وعصمة علي وبنيه الأئمة الأحد عشر صلوات الله عليهم!
ولا يسعنا هاهنا أن نفصّل في الأدلة أو أن نستوعبها، إلا أننا تبرّكا نذكر لك واحدا منها على نحو الإيجاز، فنقول بعد الاتكال على الله تعالى:
قال سبحانه في محكم كتابه: ”إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا“. (الأحزاب: 34)، وهذه الآية الشريفة تدلّ على عصمة أهل بيت النبوة (صلوات الله وسلامه عليهم) لأن الإرادة فيها تكوينية، منحصرة بهم بقوله تعالى: ”إنما“، وإذهاب الرجس عنهم مستمر لا ينقطع ولا يتخلّف لأن الإرادة الإلهية لا تنقطع ولا تتخلّف، والرجس هاهنا مطلق الذنب وما لا خير فيه لا خصوص النجاسة أو الخباثة، إذ القرآن يفسِّر بعضه بعضا، وقد قال تعالى: ”وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ“. (يونس:101) وقال تعالى: ”فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ“. (الأنعام:126) وقال تعالى: ”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ“ (المائدة:91) وقال تعالى: ”وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ“. (التوبة:125).
فعرفنا بدلالة هذه الآيات أن الرجس عام يشمل كل ذنب وكل ما لا خير فيه، وقد ثبت بنص آية التطهير أن الله مُذهبه عن هؤلاء الطاهرين (عليهم السلام) وبذا تثبت عصمتهم.
وبالتأمّل في الآية الكريمة نفهم أن هذه العصمة دائمة، لأن الآية تفيد استمرارية إرادة إذهاب الرجس على نحو الدفع لا على نحو الرفع، أي أن إرادة الله تعالى مستمرة دائما في دفع رجس المعصية عن أهل بيت النبوة عليهم الصلاة والسلام، وهذا واضح بدلالة الفعل المضارع (يريد) وتأكيده بأداة الحصر (إنما) فضلا عن سياق الآية الذي هو ظاهر في التكوين لا الشريع، والفعل التكويني لا ينفك عن الإرادة بالنسبة إلى واجب الوجود أي الله تبارك وتعالى، فبهذا كله يتأكد أنهم (عليهم السلام) وعلى رأسهم علي أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) طاهرون مطهرون معصومون منذ خلقهم الله تعالى، لأن الله تعالى نصّ على أنه يدفع عنهم رجس المعصية على الدوام. ولنا في ما يتصل بهذا الموضوع محاضرة مفصلة بعنوان: ”إثبات الإرادة الإلهية التكوينية في آية التطهير“ فارجعي إليها إن شئت.
هذا ولا يخدعنّكِ علماء الضلال الذين يزعمون أن هذا المقطع من الآية الشريفة قد نزل في نساء النبي صلى الله عليه وآله، فإنه قد نزل في الخمسة أصحاب الكساء فقط؛ وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، وعلى هذا أجمعت الصحاح وكتب الحديث والرواية. قال ابن عساكر: ”وقولها – أي أم سلمة رضوان الله عليها: وأهل البيت رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين - هؤلاء الذين ذكرتهم إشارة إلى الذين وُجدوا في البيت في تلك الحالة، وإلا فآل رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم أهل البيت، والآية نزلت خاصة في هؤلاء المذكورين“. (الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين لابن عساكر ص106). وقال الطحاوي: ”إن المرادين فيها هم رسول الله وعلي وفاطمة وحسن وحسين دون مَن سواهم“. (مشكل الآثار ج8 ص476).
والنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) قد فسّر بنفسه الآية عملياً وأوضح المرادين منها في حادثة الكساء الشريف، مبيّنا أن نساءه خارجات عنها، حين دعا ربّه واصفا عليا وفاطمة والحسنين عليهم السلام: ”هؤلاء أهل بيتي“. وفي لفظ آخر: ”هؤلاء أهل البيت فأذهب عنهم الرّجس وطهرهم تطهيرا“. (المستدرك للحاكم ج3 ص158 وسنن البيهقي ج2 ص105 وتفسير الطبري ج10 ص297 ومسند أحمد بن حنبل ج6 ص292 وغيرها كثير).
بل وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤكد على المقصودين بالآية يوميا حين يطرق باب علي وفاطمة (عليهما السلام) كل صباح، فقد روى البخاري عن أبي الحمراء قال: ”صحبت النبي صلى الله عليه وسلم تسعة أشهر فكان إذا أصبح كل يوم يأتي باب علي وفاطمة فيقول: السلام عليكم، إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا“. (التاريخ الكبير للبخاري ج9 ص26 وكذا ابن شيبة في مسنده ج2 ص232 وابن عبد البر في الاستيعاب ج4 ص572 وغيرها).
ويدل هذا على أن الآية هي في أهل البيت الخمسة ومن ينحدر عنهم بالنص الوارد عنهم، لا في غيرهم كنساء النبي (صلى الله عليه وآله) إذ إنه لم يصنع معهم مثل ما صنع مع علي وفاطمة والحسنين (عليهم السلام) ولا أُثر عنه أنه كان يطرق أبوابهن ويخاطبهن بهذه الآية.
ولا أدلَّ على خروج الزوجات عن المرادين بهذه الآية من حديث أم سلمة (رضوان الله عليها) حيث منعها النبي (صلى الله عليه وآله) من الدخول تحت الكساء قائلا: ”إنك إلى خير، إنك إلى خير“. وفي لفظ آخر: ”أنت على مكانك وإنك إلى خير“. (مسند أحمد بن حنبل ج6 ص292 والدر المنثور للسيوطي ج5 ص198 وغيرهما كثير). وفي لفظ ثالث قالت أم سلمة: ”يا رسول الله ما أنا من أهل البيت؟ قال: إنك أهلي خير، وهؤلاء أهل بيتي“. (مستدرك الحاكم ج2 ص416 وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه).
إلى هنا عرفنا أن الآية نزلت في أهل البيت خاصة، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) كما عرفنا أنها تدل على عصمتهم المطلقة الدائمة. بقيَ أن نستدل بها على إمامتهم وأحقيتهم في خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا لا يحتاج إلى كثير من العناء، لأنه قد ثبت عند المؤالف والمخالف أن عليا (صلوات الله عليه) قد امتنع عن مبايعة أبي بكر بن أبي قحافة (لعنة الله عليه) بعد استشهاد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بيّن سبب امتناعه عن مبايعته بإعلانه أنه هو الخليفة الشرعي والإمام الموصى إليه، وأنه أحقُّ بالخلافة من الجميع.
روى ابن قتيبة: ”ثم إن عليا كرم الله وجهه أُتِيَ به إلى أبي بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله. فقيل له: بايع أبا بكر! فقال: أنا أحقُّ بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم، وتأخذونه منّا أهل البيت غصبا؟! ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة وسلّموا إليكم الإمارة؟! وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، فنحن أولى برسول الله حيا وميتا، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون“! (الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج1 ص18).
وقد صرّح (عليه السلام) في خطبته الشقشقية المشهورة في نهج البلاغة بأن أبا بكر وعمر وعثمان قد تقمّصوا الخلافة دونه بغير وجه حق، وأنه كان هو الأحق بها. فقال صلوات الله عليه: ”أمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابن أبي قحافه وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى..“ إلى آخر الخطبة الشريفة. وهناك نصوص متعدّدة في تظلّم علي (عليه السلام) ممن تقدّمه من خلفاء الجور، وتصريحه بأنه هو الإمام الموصى إليه. ومن ذلك شعره المعروف الذي فيه:
”وأوجب لي ولايته عليكم رسول الله يوم غدير خُمٍّ“. (الغدير للعلامة الأميني ج2 ص25 عن ستة وعشرين راويا بكريّا).
فهذه النصوص تكفي في إثبات ولايته وإمامته وأنه هو الخليفة الشرعي، بغض النظر عن العشرات غيرها، لأن عليا (عليه السلام) معصوم بنص الكتاب العزيز، وما دام قد أعلن أنه أحق من غيره بالخلافة فيجب أن نؤمن بأن ما أعلنه هو الحق وأنه يستحيل أن يكون قد كذب فيه والعياذ بالله، لأن الله تعالى قد أذهب عنه الرجس وهو مطلق المعصية، فلا يمكن أن يعصي علي (عليه السلام) ويدّعي شيئا ليس له، وإلا إنْ نسبنا إليه الكذب في ادعائه فنكون قد كفرنا بكتاب الله تعالى! وعليه فقد ثبت المطلوب وهو أنه (عليه السلام) معصوم وأنه إمام مفترض الطاعة والخليفة الشرعي بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلا فصل وأن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا ظالمين لأنهم سلبوه حقّا هو أولى به منهم، والظالمون قد لعنهم الله تعالى بكتابه حيث قال: ”أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ“ (هود: 19) وبذا يثبت وجوب لعن أبي بكر وعمر وعثمان.
فإن قال المخالفون: إن عليا قد بايع أبا بكر لاحقا بعدما تأخر عنه. قلنا: هذه رواية، وخبر امتناعه عن البيعة دراية، ولا تردّ الرواية الدراية. ناهيك عما في هذه الرواية من الوهن، وعما في الاستدلال بها من الإشكال، إذ يجوز أن يبايع مكرَها أو مضطرا، والعبرة إنما هي في ما ثبت من قوله ونصّه (عليه السلام) وقد استفاض أنه قد عبّر عن الخلافة بأنها حقّه وحق أهل بيته، فلا يجوز أن نعدو قوله بحال.
ما هذا سوى دليل واحد ذكرناه على نحو الإيجاز، فإن أردتِ المزيد عليك بمطالعة الكتب المفصّلة في هذا الشأن، واسألي عن آية الإكمال، وآية الإنذار، وآية الولاية، وآية المباهلة، وحديث الغدير، وحديث المنزلة، وحديث الثقلين، حديث الاثني عشر إماما، وغيرها من آيات وأحاديث.
ونرشدكِ إلى محاضرة لنا بعنوان: ”البرهان الساطع على إمامة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام“ فإنها تفيدك. واعلمي أننا لا نستدل على غيرنا إلا بما رووه في مصادرهم، ولا نحكّم في استدلالنا إلا العقل.
ونلفتك إلى أنه من الأدب أن لا تذكري اسم علي أو أحد من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا وتتبعينه بقولك: (عليه السلام) أو بقولك: (عليه الصلاة والسلام) لا بقولك: (كرم الله وجهه) كما ذكرت في سؤالك، فإن الله تعالى قد شرّفهم بذلك حين قال: ”سَلامٌ عَلَى آل يَاسِينَ“. (الصافات: 131) وقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن يُصلّى عليهم في كل صلاة بقوله: ”قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد“. (صحيح البخاري ج4 ص118).
ولذا كان البخاري نفسه يلتزم في بعض أحاديثه بذلك، حين يذكر بسنده حديثا عن علي أو فاطمة أو الحسن أو الحسين عليهم السلام، فيقول: (عن علي عليه السلام) أو (عن فاطمة عليها السلام) وهكذا.. ومن هذه الأحاديث ما رواه عن الزهري قال: ”أخبرني علي بن الحسين، أن حسين بن علي عليهما السلام أخبره أن عليا قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس، فلما أردت أن أبني بفاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وسلم..“ إلى آخر الحديث. (صحيح البخاري ج5 ص16). فلماذا لا تلتزمون بذكر (عليه السلام) بدلا من اللفظة المبتدعة (كرم الله وجهه) أو (رضي الله عنه) مع أن بخاريّكم يذكرها إعظاما وتشريفا لمقام أهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟!
ج6: وهل كل من جمع كثيرا من الأحاديث لسنين طويلة يجب أن يُعترف بجمعه ويعوَّل عليه؟! إذا كان هذا هو المقياس فإن هناك من هو أعظم من البخاري جمعاً للأحاديث واجتهاداً في تتبّعها فلماذا لم تعتمدوا على جمعه أكثر من البخاري؟!
إننا لا نرى ما يسمّى بصحيح البخاري حجة ولا الأحاديث الواردة فيه معتبرة وذلك لعدة أسباب؛ أولها أن البخاري قد جمع أحاديثه عن رواةٍ لا نعرفهم بالوثاقة، بل إن فيهم النواصب والخوارج والزنادقة فكيف يمكن لنا أن نعتمد على ما يرويه هؤلاء؟! فقد روى البخاري عن إسحاق بن سويد العدوي الذي ذكر ابن حجر أنه كان يحمل على علي (عليه السلام) تحاملا شديدا ويقول: ”لا أحب عليا“! (تهذيب التهذيب لابن حجر ج1 ص206).
كما روى البخاري عن حريز بن عثمان الحمصي الذي قال عنه ابن عياش: ”عادلت حريز بن عثمان من مصر إلى مكة فجعل يسب عليا ويلعنه“! وقال ابن حبّان عنه: ”كان يلعن عليا بالغداة سبعين مرة وبالعشي سبعين مرة“! (تهذيب التهذيب لابن حجر ج2 ص207).
كما روى عن الحصين بن نمير الواسطي وقيس بن أبي حازم وعبد الله بن سالم الأشعري وعكرمة مولى ابن عباس وعمران بن حطان والوليد بن كثير بن يحيى المدني وغيرهم من المشهورين بالنصب والعداوة لأهل بيت النبي صلوات الله عليهم، ومن الذين كانوا يروْن رأي الخوارج!
هذا عدا عن روايته عن كثير من المجاهيل كأسباط أبو إليسع وأسامة بن حفص المدني وعباس بن الحسين القنطري ومحمد بن حكم المروزي وغيرهم.
فكُيف تريدين لنا أن نثق بما يرويه البخاري عن هؤلاء الكفرة النواصب أو الزنادقة الخوارج أو عن هؤلاء المجاهيل؟! أيقبل وجدان مسلم حديث الذين كانوا يلعنون علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهما) ويصرّحون ببغضه؟! ألم يعلن النبي صلى الله عليه وآله أن: ”حبّ علي إيمان وبغضه نفاق، وأنه لا يحب عليا إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق“؟! (صحيح مسلم ج1 ص86 وينابيع المودة للقندوزي الحنفي ج2 ص240 وغيرهما في معناه كثير).
فهذا سبب لرفض البخاري وصحيحه السقيم! أما السبب الثاني فهو أن البخاري هذا نفسه ليس ممن تتلمذ في مدرسة الأئمة من أهل البيت صلوات الله عليهم، ولم يكن من أصحابهم أو شيعتهم ومواليهم، فعلى أي أساس نقبل أحاديثه التي يرويها عن المتردّية والنطيحة! ألم يأمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن نأخذ من عترته أهل بيته؟! ألم يقل: ”إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض“؟! (مسند أحمد بن حنبل ج3 ص14 وصحيح مسلم ج4 ص1874 وسنن الترمذي ج5 ص662 وغيرهم بألفاظ متقاربة كثير).
إن البخاري هذا لم يروِ عن الأئمة من أهل بيت النبي (صلوات الله عليهم) إلا نزرا يسيرا ليس يُذكر، مع أن رسولنا الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمرنا بالرجوع إليهم وأخذ الحديث عنهم، وبدلا من ذلك قام البخاري فولّى شطر وجهه صوب الكفرة والنواصب والخوارج والكذابين والمجاهيل! فلماذا نأخذ بأحاديثه ونُهمل الأحاديث التي جمعها الشيخ الكليني والشيخ الطوسي والشيخ الصدوق وغيرهم من الذين التزموا بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخذوا الأحاديث من عترته أهل بيته؟!
وثالث الأسباب؛ أن البخاري هذا ليس موثوقا به عندنا! ولمّا رجعنا إلى ما قيل فيه من علماء المخالفين وجدنا بعضهم يصفونه بالكذب والتدليس! وهذا (البعض) لم يكن شخصا عاديا، بل هو أعظم رجال الجرح والتعديل عندهم! وهو الذهبي حيث اعتبر البخاري من الضعفاء والمتروكين أي الذين لا يُعتدّ برواياتهم! (حكاه عنه المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير ج1 ص32).
بل وأكثر من هذا أعلن الذهبي أن البخاري كان مدلّسا! (سير أعلام النبلاء ج12 ص274).
بل وأكثر من هذا! نقل الذهبي عن أبي الفرج الجوزي وغيره من العلماء أن البخاري – بكل صراحة – كذاب! (ميزان الاعتدال في ترجمته ج3 ص484).
ورابع الأسباب أن كتاب البخاري نفسه قد وقع فيه تحريف وتغيير وتبديل! لأن صاحبه قد هلك قبل أن ينتهي من تبييضه فأخذه القوم من بعده وانتسخوه ونشروه! وقد اعترف بذلك ابن حجر إذ قال: ”ولم أقف في شيء من نسخ البخاري على ترجمة لمناقب عبد الرحمن بن عوف، ولا لسعيد بن زيد، وهما من العشرة. وإن كان قد أفرد ذكر إسلام سعيد بن زيد بترجمة في أوائل السيرة النبوية. وأظن ذلك من تصرف الناقلين لكتاب البخاري. كما تقدم مراراً أنه ترك الكتاب مسوّدة، فإن أسماء من ذكرهم هنا لم يقع فيهم مراعاة الأفضلية، ولا السابقية، ولا الأسنية. وهذه جهات التقديم في الترتيب. فلما لم يراع واحداً منها دل على أنه كتب كل ترجمة على حدة، فضم بعض النقلة بعضـها إلى بعض حسبما اتفق“! (مقدمة فتح الباري ج7 ص93).
كما ورد عن أبي الوليد الباجي قوله: ”وقد أخبرنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي الحافظ (رحمه الله) ، ثنا أبو إسحاق المستملي إبراهيم بن أحمد، قال انتسخت كتاب البخاري من أصله. كان عند محمد بن يوسف الفربري، فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة منها تراجم لم يثبت بعدها شيئاً، ومنها أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض!
ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكشميهني، ورواية أبي زيد المروزي ـ وقد نسخوا من أصل واحد ـ فيها التقديم والتأخير. وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم في ما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما، فأضافه إليه! ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينهما أحاديث! وإنما أوردت هذا لما عني به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها، وتكلفهم في تعسف التأويل ما لا يسوغ“! (التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح ج1 ص310).
كما أقرّ بذلك محمود أبو رية إذ قال: ”فعدد أحاديث البخاري يزيد في رواية الفربري على عدده في رواية ابن معقل النسفي بمئتين، ويزيد عدد النسفي على عدد حماد بن شاكر النسفي بمئة كما ذكره العراقي“! (أضواء على السنة المحمدية ص307).
فهذه اعترافات عشّاق البخاري بأن كتابه إنما كان مسوّدة لا مبيّضة، أي أنه لم ينتهِ منه بعد، وأن النسخ التي انتسخت من أصوله تختلف عن غيرها من حيث الزيادة والنقصان، ففي بعضها أحاديث لا تكون في الأخرى! وهذا هو الدسّ والتحريف والتبديل والتغيير! فبعد هذا يُطلب منا أن نعترف بالخاري البخاري وكتابه السقيم؟! كيف؟
وخامس الأسباب أننا حين بحثنا في شخصية البخاري وجدناه مجنونا في عقله لوثة! فقد كان من جنونه فتواه المضحكة بأن صبيّين إذا ارتضعا بلبن بهيمة فإنهما يصبحان أخويْن! وكانت هذه الفتوى سببا لأن يطرده الناس من قريته (بخارا) في أوزبكستان لرفضهم هذه المهزلة باسم الدين! قال السرخسي الحنفي عند تعرّضه لمسألة الرضاع: ”ولو اُرضع الصبيان من بهيمة لم يكن ذلك رضاعاً، وكان بمنزلة طعام أكلاه من إناء واحد. ومحمد بن اسماعيل (البخاري) صاحب الأخبار رحمه الله يقول: تثبت به حرمة الرضاع! فإنه دخل بخارا في زمن الشيخ الامام أبي حفص (رحمه الله) وجعل يفتي، فقال له الشيخ رحمه الله: لا تفعل فلست هناك! فأبى أن يقبل نصحه، حتى استُفتي عن هذه المسألة: اذا أرضع صبيّان بلبن شاة.. فأفتى بثبوت الحرمة! فاجتمعوا وأخرجوه من بخارا بسبب هذه الفتوى“! (المبسوط للسرخسي الحنفي ج5 ص139 وج30 ص297).
والعجب من القوم الذين يسمون أنفسهم اليوم بأهل السنة كيف بجّلوا البخاري مع ما ظهر لهم من سخافة عقله الذي قاده إلى فتوى من هذا النوع المثير للسخرية!
وسادس الأسباب التي تجعلنا نرفض البخاري هو أننا حين نظرنا في أحاديث هذا الكتاب وجدنا كثيرا منها مما لا يقبله العقل والوجدان ويتنافى مع القرآن الحكيم، كأحاديث التجسيم ونسبة الظلم وفعل القبيح إلى الله تعالى، وأحاديث الانتقاص من شأن النبي (صلى الله عليه وآله) التي افترتها عائشة وغيرها، وأحاديث تحريف القرآن، وغيرها من الأباطيل والأحاديث السخيفة كحديث أحد من يسموّنهم بالصحابة أنه رأى قردَيْن زنيا في الجاهلية فجاء باقي القردة وأقاموا عليهما حد الرجم وأنه رجم معهم!
هذا وإننا إذ نرفض سقيم البخاري فإننا لا نمنع من الاعتماد على بعض أحاديثه التي تدّعمها القواعد العلمية، وكذا فإننا نحتج به على من يؤمن به، أما أن نكون بلهاء كغيرنا فنقول بأن ما ورد في هذا الكتاب من أولّه إلى آخره كله صحيح لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. فلا! فنحن أهل العقل وقد تركنا لغيرنا حرية أن يكون من أهل البلاهة!
ج7: المهدي المنتظر هو ذلك الذي بشّر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي سيملأ الدنيا قسطا وعدلا بعدما مُلئت ظلما وجورا، وهو الذي سيقيم دولة الإسلام والحق والعدل ويقضي على الكفر والنفاق والضلالة والفساد. إنه آخر الأئمة الاثني عشر من ذرية الرسول المصطفى (صلوات الله عليهم) فهو الإمام محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وابن فاطمة بنت محمد النبي الأعظم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وأرواحنا فداهم.
وُلد هذا الإمام في الخامس عشر من شهر شعبان المعظم لسنة 255 من الهجرة النبوية الشريفة في دار أبيه الإمام العسكري (عليه السلام) في سامراء المقدسة، وقد نصّ على ولادته جمع هائل من علماء المخالفين ومؤرخيهم ونسّابيهم، كابن خلكان في وفيات الأعيان (ج4 ص176) والحصفكي الشافعي في تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي (ص360) والكنجي الشافعي في كفاية الطالب (آخر صفحة) والحمويني الشافعي في فرائد السمطين (ج2 ص337) والصفدي في الوافي بالوفيات (ج2 ص336) ومحب الدين الحلبي الحنفي في روضة المناظر (ج1 ص294) وسهل بن عبد الله البخاري في سر السلسلة العلوية (ص39) وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة (ص287) والهيتمي في الصواعق المحرقة (ص207) وشمس الدين الذهبي في العبر (ج2 ص31) وغيرهم كثير.
وبسبب جور السلطة العباسية الغاشمة وسعيها لقتل المهدي الموعود (صلوات الله عليه) فقد اضطر والده العسكري (عليه السلام) لتغييبه عن الأنظار في سرداب بيته، فلم يكن يراه أحد إلا خواص الشيعة المؤمنين وبعض أهل العامة المجاورين للبيت الشريف في أحيان. وحين استشهاد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) كان الإمام المهدي (عليه السلام) قد بلغ من العمر خمس سنين، فتولّى مقاليد الإمامة كما آتى الله يحيى (عليه السلام) الحكم صبيا وكما أنطق عيسى (عليه السلام) وهو في المهد، فذلك فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء.
واضطر الإمام المهدي (عليه السلام) لأن يعيش متخفيا عن الأنظار بسبب ملاحقات العباسيين (لعنهم الله) له للقضاء عليه، فخرج (عليه السلام) من منزل أبيه إلى منازل شتّى، وعاش ما يُصطلح عليه بالغيبة الصغرى، وهي الفترة التي امتدت لنحو سبعين عاماً كان يلتقي فيها نوّابه الأربعة وهم عثمان بن سعيد العمري، وابنه محمد بن عثمان، والحسين بن روح النوبختي، وعلي بن محمد السمري (رضوان الله عليهم) فكان هؤلاء يبلغون الشيعة أوامره وتعاليمه ويرفعون إليه مسائلهم وحوائجهم ويقومون بدور السفارة بينه وبين المؤمنين بشكل سري بعيد عن أعين السلطات الظالمة، كما كانوا يرتّبون لقاءاته ببعض المؤمنين حين كان (عليه السلام) يسمح بذلك وكانت الظروف مؤاتية. وقُبيل وفاة النائب الرابع صدر عنه (عليه السلام) إعلان بانقطاع النيابة الخاصة والسفارة بينه وبين شيعته، وأمرهم بالرجوع في مسائلهم وأحكامهم إلى الفقهاء العدول قائلا: ”إنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله“. فبدأ عهد الغيبة الكبرى التي هي ممتدة إلى عصرنا الحاضر، إلى حين ما يأذن الله تعالى له بالظهور واستلام زمام قيادة الأمة وتأسيس الحكومة الإسلامية العالمية الواحدة، وعند ذاك سينزل عيسى المسيح (عليه السلام) ويصلّي خلفه في القدس الشريف.
وخلال هذه الفترة من الغيبة الطويلة لا يلتقي (صلوات الله عليه) إلا بالخواص من الشيعة الأتقياء ممن يكونون مؤهلين لنيل هذا الشرف العظيم. وقد أطال الله تعالى عمره كما أطال عمر نوح عليه السلام، وأبقاه حيا إلى يومنا هذا كما أبقى الخضر (عليه السلام) حيا إلى يومنا هذا، حيث إن الخضر اليوم من أبرز خدّام المهدي صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين.
أما عن الأحاديث التي تتحدث عنه (صلوات الله عليه) في كتب ومصادر أهل الخلاف فهي كثيرة يصعب إحصاؤها، منها ما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: ”خشينا أن يكون بعد نبينا حدث فسألنا نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن في أمتي المهدي يخرج يعيش خمساً او سبعاً او تسعاً. قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: سنين. قال: فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني أعطني، قال: فيحثى له في ثوبه ما استطاع ان يحمله“. (سنن الترمذي ج2 ص46).
ومنها ما رواه الحاكم عن أبي سعيد الخدري قال: ”قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج في آخر امتي المهدي يسقيه الله الغيث وتخرج الارض نباتها، ويعطى المال صحاحاً، وتكثر الماشية وتعظم الامة، ويعيش سبعاً او ثمانياً يعني حججاً“ وهذا بعد ظهوره. (مستدرك الحاكم ج4 ص557).
ومنها ما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: ” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المهدي منّي اجلى الجبهة اقنى الانف يملأ الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ويملك سبع سنين“. (مسند أبي داود ج4 ص152).
ومنها ما رواه ابن حجر الهيتمي من أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخذ بيد علي (هليه السلام) فقال: ”يخرج من صلب هذا فتى يملأ الارض قسطاً وعدلاً، فاذا رأيتم ذلك فعليكم بالفتى التميمي فانه يقبل من قبل المشرق وهو صاحب راية المهدي“. (الفتاوى الحديثة لابن حجر ص27).
ومنها ما رواه ابن حجر أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ”يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريم كانما يقطر من شعره الماء فيقول المهدي : تقدّم فصلّ بالناس. فيقول عيسى: انما اقيمت الصلاة لك فيصلي خلف رجل من ولدي“. (الصواعق المحرقة لابن حجر ص98).
ومنها ما رواه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة قال: ”قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم“. (صحيح البخاري ج4 ص143 وصحيح مسلم ج1 ص94 ومسند أحمد ج2 ص336).
ومنها ما رواه البخاري عن سعيد بن المسيب قال: ”المهدي من وُلد فاطمة“. (التاريخ الكبير للبخاري 8 ص406)
ومنها ما رواه الطبري عن حذيفة قال: ”قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه عزّ وجلّ ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً من ولدي، اسمه اسمي. فقام سلمان الفارسي رضي اللّه عنه فقال: يا رسول اللّه، من أيّ ولدك؟ قال: من ولدي هذا. وضرب بيده على الحسين“. (ذخائر العقبى لأحمد بن عبد الله الطبري ص137).
والخلاف بيننا وبين مخالفينا هو في أنهم يزعمون أن المهدي لم يولد بعد، مع إقرارهم بأنه من ذرية رسول الله وتحديدا من وُلد فاطمة (عليها السلام) بل إن بعضهم أقرّ بأنه من وُلد الحسن العسكري عليه السلام. فيما نحن نقول بأنه قد وُلد وهو حي يُرزق وإن كان غائبا عن الأنظار لأن الأرض لا تخلو من حجة لله ولأن الأحاديث المتواترة ذكرت أن لكل زمان إمام، من يموت بغير الاعتقاد به يكون قد مات ميتة جاهلية أي أنه يموت على الكفر! فلا بد من أن يكون في عصرنا هذا إمام وهو الحجة المهدي المنتظر صاحب الزمان صلوات الله عليه وعجل الله تعالى فرجه الشريف.
وممن وافقنا من علماء المخالفين بأن المهدي هو ابن الحسن العسكري (عليهما السلام) وأنه حي الفخر الرازي حيث قال: ”أما الحسن العسكري الإمام فله ابنان وبنتان: اما الابنان، فأحدهما: صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف، والثاني موسى درج في حياة أبيه. وأما البنتان: ففاطمة درجت في حياة أبيها، وأم موسى درجت أيضاً“. (الشجرة المباركة في أنساب الطالبية للفخر الرازي ص78).
ج8: الشيعة لا يعتقدون بتحريف القرآن، أما بعض من تسمّونهم بالصحابة وكذلك بعض علمائكم المتأخرين كانوا يعتقدون بذلك! وقد أجبنا على سؤال شبيه بهذا في ما مضى، وقلنا هناك أن لدى المخالفين روايات في أعلى مراتب الصحة رواها البخاري ومسلم تثبت وقوع التحريف في كتاب الله تعالى، ومنها ما هو عن عمر بن الخطاب (لعنة الله عليه) أنه خطب على المنبر قائلا: ”إن الله بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله (آية الرجم) فقرأناها وعقلناها ووعيناها، ورجم رسول الله ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل والاعتراف. ثم إنا كنا نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم“! (صحيح البخاري - كتاب الحدود: ج8 ص 28).
وكذا رووا عن عائشة (لعنة الله عليها) أنها قالت: ”كان في ما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات فتوفي رسول الله وهن في ما يقرأ من القرآن“! (صحيح مسلم - كتاب الرضاع: ج 4 ص 167).
ورووا أيضا عن أبي موسى الأشعري (لعنة الله عليه) أنه قال: ”وعن أبي موسى الأشعري أنه قال: (إنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها بالطول والشدة ببراءة فأنسيتها، غير أني حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة“! (صحيح مسلم - باب لو أن لابن آدم واديان: ج 3 ص 100).
ومن أطرف ما رووه أن دجاجة عائشة (لعنة الله عليها) قد أكلت بعض آيات القرآن تحت سريرها فأذهبتها! إذ جاء عنها أنها قالت: ”لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً، و لقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله و تشاغلنا بموته، دخل داجن فأكله“! (مسند أحمد ج6 ص 269). وغيرها من روايات مضحكة كثير.
وأما عن علمائهم الذين قالوا بالتحريف فمنهم من حكى لنا عنه أحد علمائهم المعاصرين الأزهريين وهو (محمد المديني) حيث قال: ”قد ألف أحد المصريين سنة 1498م كتاباً اسمه (الفرقان) حشاه بكثير من أمثال هذه الروايات السقيمة المدخولة المرفوضة، ناقلاً لها عن الكتب والمصادر عند أهل السنة، وقد طلب الأزهر من الحكومة مصادرة هذا الكتاب بعد أن بين بالدليل والبحث العلمي أوجه البطلان والفساد فيه. فاستجابت الحكومة لهذا الطلب وصادرت الكتاب، فرفع صاحبه دعوى يطلب فيها تعويضاً! فحكم القضاء الإداري في مجلس الدولة برفضها. أفيقال أن أهل السنة ينكرون قداسة القرآن؟ أو يعتقدون نقص القرآن لرواية رواها فلان؟!“ (صرح بذا في العدد الرابع من مجلة رسالة الإسلام ص 382).
هذا ويحاول بعض المخالفين تبرير رواياتهم الصريحة بالتحريف بأنها تشير إلى ما يسمّونه بنسخ التلاوة! لكن ذلك باطل لقوله تعالى: ”مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا“. (البقرة: 107) فلا بد أن تحلّ آية محلّ آية لا أنها تُمحى كما يدّعون.
ج9: قد قلنا في جواب سؤال سابق أن مجرد العلاقة الزوجية بنبي أو رسول أو إمام لا يكون موجبا للتعديل ولا حائلا عن الجرح، بل ينبغي أن تخضع زوجات الأنبياء والرسل والأئمة إلى البحث والتحقيق الذي من خلاله نعرف ما إذا كنّ مستحقات للموالاة والاحترام أم لا.
وقد أرشدنا الله تبارك وتعالى إلى ذلك في محكم كتابه حين قال: ”ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ“ (التحريم: 10).
وكما ثبت لدينا - بنص الكتاب - أن زوجتي النبي نوح والنبي لوط (عليهما السلام) كانتا خائنتين فاسدتيْن منحرفتيْن، كذلك ثبت لدينا - بنص الكتاب - أن زوجتي النبي محمد (صلى الله عليه وآله) عائشة وحفصة كانتا خائنتين فاسدتين منحرفتين، حيث قال تعالى: ”إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ، عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا“ (التحريم: 4 - 5).
وقد اتفقت كلمة المسلمين جميعا على أن المقصود بالآيتيْن هما عائشة وحفصة، حيث تظاهرتا أي تآمرتا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قصة التحريم الشهيرة، ولذا شهّر بهما الله تبارك وتعالى وفضحهما في القرآن وكشف إيذاءهما لنبيّه (صلى الله عليه وآله) ودعاهما إلى التوبة لأن قلوبهما قد صغت أي انحرفت عن جادة الإسلام، كما قد حذّرهما الله تعالى بتطليقهما واستبدالهما بزوجات خيرا منهما، يكنّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات، ومعنى ذلك أن عائشة وحفصة ما كانتا مسلمتيْن ولا مؤمنتيْن ولا قانتتين ولا تائبتيْن ولا عابدتين ولا سائحتين أي صائمتيْن، وإلا لم يكن الله تبارك وتعالى يقول: ”خيرا منكن“.
هذا ولم يحكِ الله سبحانه في قرآنه المجيد أنهما قد آمنتا وتابتا، فيكون أصل كفرهما وخيانتهما وانحرافهما باقيا بنص القرآن، سيما وأن السيرة تعاضده، حيث قامتا بتسميم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقتله ثم التواطؤ على عزل خليفته الشرعي الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ثم محاربته في معركة الجمل ثم منع تنفيذ وصية سبطه الإمام الحسن المجتبى (صلوات الله عليه) والتصدي لجنازته ورميها بالسهام، إلى غير ذلك من المواقف التي تشهد للمرأتيْن – سيما عائشة لعنها الله – بالنصب والعداوة لرسول الله وأهل بيته الأطهار عليهم أفضل الصلاة والسلام.
وحيث أن الله تبارك وتعالى قال في فرقانه: ”إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا“ (الأحزاب: 57)، وحيث إنه قد ثبت بنص القرآن السالف أن عائشة وحفصة كانتا كافرتين متآمرتين فاسدتين خائنتين منحرفتين، وحيث إنه قد ثبت بنصوص مستفيضة متواترة من السنة القطعية أنهما قد آذتا رسول الله في عشرات الموارد والمواقف حتى وصفهما النبي بصويحبات يوسف ووصم عائشة بأنها ”رأس الكفر“ كما رواه مسلم في صحيحه ج4 ص2229 ح2905.
فإن نتيجة كل ذلك الحكم بوجوب البراءة من عائشة وحفصة ووجوب لعنهما كمصداق لتلك البراءة، وهي وظيفة شرعية عقيدية لكل مسلم ومسلمة.
أما الآية الشريفة التي سألتِ عنها وهي قوله تعالى: ”النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ“ فليس فيها بيان لفضل الزوجات بما هنّ زوجات، بل بيان لحكم تشريعي وهو أنه يحرم على المسلم أن يتزوج واحدة منهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنهن بمنزلة الأمّ في هذا التحريم، فيكون إطلاق هذا اللقب عليهن من قبيل قول القائل لزوجته في الظهار: ”أنت علي كظهر أمي“ أو نحو ذلك، فيثبت به التحريم، لا أقل ولا أكثر.
ج10: لم يكن أبو لؤلؤة النهاوندي (رضوان الله تعالى عليه) مجوسيا بل كان مسلما مؤمنا، واتهام محبّي عمر له بالمجوسية افتراء وبهتان! ويكفي في إثبات إسلامه أنه حين طعن اللعين عمر كان في المسجد النبوي الشريف، وتذكر بعض مصادر المخالفين أنه قد كمن خلفه في صفوف المصلين، فهلاّ فسّر لنا المخالفون كيف أن رجلا مجوسيا كافرا يسمح المسلمون بدخوله في المسجد ليصلي فيه وكيف كان سابقا يدخل فيه ويخرج منه حتى أنه احتكم لعمر في قضيته مع المغيرة بن شعبة فيه؟!
إن هذا معناه أنه كان مسلما، ولو لم يكن لما أجاز له المسلمون دخول المسجد، بل لما أجازوا له البقاء في المدينة المنورة لأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد حرّم بقاء المشركين فيها هي ومكة المكرمة، فإبقاؤه فيها طوال تلك السنوات دليل على إسلامه.
ثم إن علماء المخالفين أقروا بأن ابنته (لؤلؤة) كانت مسلمة تصف الإسلام، كما ذكره الصنعاني في مصنّفه قال: ”ثم أتى (عبيد الله بن عمر) ابنة أبي لؤلؤة جارية صغيرة تصف الإسلام فقتلها، فأظلمت المدينة يومئذ على أهلها“! (مصنف الصنعاني ج5 ص479 ومحلّى ابن حزم ج11 ص115 وغيرهما)، وعلى هذا فقد كان أبو لؤلؤة مسلما لأن كون ابنته صغيرة تصف الإسلام دليل على أن أباها قد لقّنها إياه، وإسلام الصغار إنما يكون تبعاً لإسلام آبائهم، فتعامل معشر أهل المدينة - سيما من يُسمونهم صحابة - مع البنت على أنها مسلمة وحزنهم على قيام عبيد الله بن عمر (لعنة الله عليهما) بقتلها ظلما حتى أن المدينة أظلمت يومئذ على أهلها.. هذا دليل على أن أباها كان مسلما، إذ لو كان كافرا لما اعتبر أحد ابنته مسلمة، ولما حزن لقتلها، بل لما طالب أحدٌ بالاقتصاص من عبيد الله بن عمر لقتله إياها، لأن المسلم لا يُقتل بقتله كافرا وهذا حكم مجمع عليه. وحيث قد نصّ المؤرخون على أن جمعا من (الصحابة) قد طالبوا عثمان بن عفان بقتل عبيد الله بابنة أبي لؤلؤة فإن هذا كاشف عن كونها مسلمة، فيكون أبوها بالأصل مسلما. (يُلاحظ في ذلك تاريخ الطبري ج3 ص302 وتاريخ دمشق ج38 ص68 وغيرهما ممن ذكر أن عليا (عليه السلام) والمقداد (عليه الرضوان) وغيرهما قد طالبوا بالاقتصاص من عبيد الله لقتله ابنة أبي لؤلؤة رحمة الله عليهما).
ثم إنه قد جاء عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) ترحّمهم على أبي لؤلؤة (رضوان الله تعالى عليه) وتبشيره بالجنة، لأنه قد قتل عمر (عليه لعائن الله) واقتصّ منه انتقاما لبنت رسول الله فاطمة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها) التي قتلها عمر حين هجم هو وأوغاده عليها فكسر ضلعا من أضلاعها وأسقط جنينها المحسن (عليه السلام) وضربها بالسوط ورفسها وصفعها ووجأ جنبها بنعل السيف في هجمة وحشية قذرة لإجبارها وإجبار بعلها على مبايعة صاحبه أبي بكر عليه لعائن الله!
لهذا فإننا نحترم أبا لؤلؤة فيروز النهاوندي (رضوان الله تعالى عليه) الذي هو بطل من أبطال الإسلام.
هدانا الله وإياكم. والسلام.



(*) للاطلاع على رسالة مرتبطة اضغط هنا

ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك لسنة 1428 من الهجرة النبوية الشريفة.


شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp