الدرس السابع والخمسون: في الخير ونفيه ج2

شارك المقال على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp
الدرس السابع والخمسون: في الخير ونفيه ج2

8 ذو القعدة 1447

في الخير ونفيه ج2

ويرد عليه أن الخير والشر غير متناقضين بل هما متضادان فلا يلزم أن نفي أحدهما إثبات الآخر، إذ يجوز ارتفاعهما معاً، فكثير من الأفعال والأشياء مباحة لا خير فيها ولا شر.

وأخبار نفي الخير في الشطرنج والغناء ليست بخلية من القرائن الدالة على الحرمة، داخليةً كانت كذكر الباطل في خبر زرارة والنهي عن القرب والفعل الظاهر في الحرمة في خبر أبي الربيع الشامي، أو خارجيةكخبر مسعدة بن زياد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الشطرنج فقال: دعوا المجوسية لأهلها لعنها الله.

وكذا أخبار نفي الخير في إجارة الأرض بالطعام، فقد ورد النهي الصريح عنها، كما في خبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تؤاجر الأرض بالحنطة ولا بالشعير ولا بالتمر ولا بالأربعاء (النهر الجاري) ولا بالنطاف (الماء الصافي) ولكن بالذهب والفضة لأن الذهب والفضة مضمون وهذا ليس بمضمون.

وورد المنع عن ذلك بلفظ عدم الجواز أيضا كما في خبر يونس عن غير واحد عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما سئلا: ما العلة التي من أجلها لا تجوز أن تؤاجر الأرض بالطعام ويؤاجرها بالذهب والفضة؟ قال عليه السلام: العلة في ذلك، أن الذي يخرج منها حنطة وشعير، ولا يجوز إجارة حنطة بحنطة ولا شعير بشعير.

على أن في الأصحاب من ذهب إلى كراهة ذلك لا حرمته، والمنع عندنا أشبه كما قال صاحب الشرائع.

وأياً كان فإن هذه الأخبار غير خلية من القرائن فلا يصح أن نفي الخير دال في نفسه على التحريم بل هو أعم، فالمنفي من الخير قد يكون مباحا، وأقصى ما هنالك الكراهة.

ولحن كلامهم عليهم السلام دال على ذلك في أخبارٍ، كخبر جعفر بن محمد عن آبائه عن علي عن النبي صلى الله عليه وآله: يا علي من لم تنتفع بدينه ودنياه فلا خير لك في مجالسته.

فإن لا سبيل للحكم بحرمة مجالسة من لا ينتفع منه دينا ودنيا، غاية ما هنالك أنها مجالسة لا خير فيها، أي لا ثواب ولا فضل، فالإباحة على حالها إلا أن يعرض على المجالسة شيء يقلب الحكم إلى الحرمة أو الكراهة.

وكذا هو القول في خبر بشير الدهان، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا خير فيمن لا يتفقه من أصحابنا.

فإنه لا سبيل للقول بحرمة عدم التفقه على نحو الإطلاق إلا فيما يحتاج إليه. وقد علل الخبر في نفي الخير بقوله عليه السلام: ”يا بشير إن الرجل منكم إذا لم يستغن بفقهه احتاج إليهم فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم“.

فكان نفي الخير على سبيل التحرز والوقاية.

وأظهر منه ما عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: نعم الوجع الحمى يعطي كل عضو قسطه من البلاء ولا خير فيمن لا يبتلى.

فإن نفي الخير هنا لا يدل على وجود الشر ضرورة في من لا يبتلى، إنما ينفي كونه من خيار الناس إذ المؤمن مبتلى.

وكذا القول في خبر أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ”ألا أخبركم بالفقيه حقا؟.. ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه“.

فإن لا سبيل للحكم على نحو الإطلاق بحرمة أو شرية العلم الذي لم يتفهمه صاحبه ولا قراءة القرآن دون تدبر ولا العبادة دون تفقه، إنما المراد حينئذ مرجوحة في الفضل. نعم، قد تقود من حيث لا يشعر المرء إلى الضلال والحرام وما إليهما لضعف الفهم والتدبر والتفقه إلا أن هذا شيء آخر.

والحاصل أن نفي الخير لا يدل في نفسه على الحرمة ولا على الكراهة، إنما يدل على مطلق المرجوحية ويبقى عبء التعيين على ثبوت القرائن.

* الآراء والنتائج التي يُنتهى إليها في هذا الدرس هي في مقام البحث العلمي فقط ولا يجوز العمل بها إن لم تطابق فتوى المرجع.

لمشاهدة الدرس كاملًا:

شارك المقال على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp