8 ذو القعدة 1447
في الصلاح ونفيه ج1
الصلاح لغة ضد الفساد، ولذا ورد في الذكر الحكيم: «وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها»، وهو في الأخبار شائع إثباتا ونفيا. أما الإثبات ففي الجواب على سؤال (هل يصلح) والذي غالبا ما يكون بلفظ (لا بأس) الذي سبق أنه لا يدل على أزيد من الترخيص والإباحة.
فمن ذلك ما عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون عليه من الثلاثة الأيام الشهر هل يصلح له أن يؤخرها ويصومها في آخر الشهر؟ قال: لا بأس، قلت: يصومها متوالية أم يفرق بينها؟ قال: ما أحَبَ إن شاء متوالية وإن شاء فرَّق بينهما.
ومفاده الرخصة بتأخير صوم الأيام الثلاثة من كل شهر تطوعا إلى آخره، مجتمعة كانت أم متفرقة. ولقد كانوا يرون ذلك عليهم أشبه بالواجب بدلالة قوله (يكون عليه) وما ذاك إلا لكون صوم ثلاثة أيام من كل شهر مستحباً مؤكداً تأكيداً عظيما حتى لقد أمر المريض بقضاءه والعاجز بدفع الفدية.
كما عن داود بن فرقد، عن أخيه قال: كتب حفص الأعور إليَّ سل أبا عبد الله عليه السلام عن ثلاث مسائل، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما هي؟ قال: من ترك ثلاث أيام في شهر، فقال أبو عبد الله عليه السلام: من مرض أو كبر أو عطش؟ قال: فاشرح لي شيئا شيئا، فقال عليه السلام: إن كان من مرض، فإذا برء فليقضه، وإن كان من كبرٍ أو عطشٍ فبدل كل يوم مد.
وورد عن مسعدة بن صدقة قال حدثني جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها البله، (أي المتغافلة عن الشر)، العاقلة في الخير، والذين يصومون ثلاثة أيام في كل شهر.
ومن الإثبات ما تكرر كثيرا بهذه الصيغة من السؤال والجواب في مسائل علي بن جعفر لأخيه الكاظم صلوات الله عليهم: وسألته عن الرجل: أيصلح له أن يغمض عينيه متعمدا في صلاته؟ قال: لا بأس.
وسألته عن الرجل: هل يصلح له أن يرفع طرفه للسماء وهو في صلاته قال: لا بأس. وسألته عن الرجل: هل يصلح له أن يصلي خلف النخلة فيها حملها؟ قال: لا بأس. وسألته عن رجل مس ظهر سنور: هل يصلح له أن يصلي قبل أن يغسله يده؟ قال: لا بأس. وسألته عن رجل يتوشح في الثوب فيقع على الأرض أو يجاوز عاتقه، أيصلح ذلك؟ قال: لا بأس به.
ومثل ذلك كثير في هذه المسائل وفي الأخبار وهو لا يدل على أزيد من الترخيص والإباحة ولا سيما مع اقترانه بنفي البأس على ما مر، إذ غاية إثبات الصلاح لشيء أنه ليس بفاسد في الشريعة إذ الصلاح ضد الفساد كما مر.
إلا أن الكلام في نفي الصلاح كما في مسائل علي بن جعفر عليهما السلام: سألته عن الرجل يصلي والسراج موضوع بين يديه في القبلة؟ فقال عليه السلام: لا يصلح له أن يستقبل النار.
فقد ذهب المشهور إلى الكراهة، فيما ذهب أبو الصلاح الحلبي إلى الحرمة. ومبنى أولئك هو ما قرره المرجع الخوئي من أن نفي الصلاح غير ظاهر في الحرمة بل في الجامع بينها وبين الكراهة. وفيهم من ذهب إلى ظهور نفي الصلاح في الكراهة أصلا كالمحقق الهمداني إذ قال في رد ظهوره في الحرمة: ”ودعوى ظهور هذه الكلمة أيضا في الحرمة نظراً إلى أن الصلاح ضد الفساد، مدفوعة بأن المتبادر منها في الأخبار ليس إلا الكراهة كلفظة (لا ينبغي) ونظائرها“.
وهذا التبادر عندنا غير محرز بل المحرز عكسه فالأخبار في استعمال (لا يصلح) في التحريم كثيرة، منها خبر القاسم بن عروة عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يصلح للمرأة أن تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها.
* الآراء والنتائج التي يُنتهى إليها في هذا الدرس هي في مقام البحث العلمي فقط ولا يجوز العمل بها إن لم تطابق فتوى المرجع.
لمشاهدة الدرس كاملًا: