الحسين عليه السلام في كربلاء: وثبة الشجاعة أم غمرة التهور؟!

شارك المقال على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp
الحسين عليه السلام في كربلاء: وثبة الشجاعة أم غمرة التهور؟!

3 محرم الحرام 1447

الحسين عليه السلام في كربلاء:
وثبة الشجاعة أم غمرة التهور؟!

يقول الشيخ الحبيب:

إن إمامنا الزكي العسكري صلوات الله عليه قال: «إن للشجاعة مقدارًا، فإن زاد عليه فهو تهوُّر».

كثيرٌ من الناس يخلطون بين الشجاعة والتهور، فيبصرون الشجاع الباسل متهورًا، ويروْن المتهور الأرعن شجاعًا!

بيد أن المائز الذي يمكن لذوي الألباب إعماله للتمييز بينهما هو: (المصلحة الدينية والأخلاقية الرفيعة). فكل فعل أو اندفاع تمليه مبادئ الدين والحق والحرية والعدل، وتصان به كرامة الإنسان، ويؤدي إلى مصلحة دينية أو أخلاقية رفيعة؛ لا يكون تهوُّرًا، بل هو شجاعة محضة وإن بدا في أعين الناس تهوُّرًا وإلقاءً بالنفس في المهالك.

وفي المقابل؛ كل فعل أو طيشٍ واندفاعٍ عارٍ عن تلك المبادئ السامية، ليس وراءه مصلحة دينية أو أخلاقية رفيعة؛ هو تهوُّرٌ صراحٌ زائدٌ عن حد الشجاعة، وإن بدا في أعين السطحيين مكتسيًا أثواب الأبطال.

ولقد ورد في التفاسير عن أئمة العترة الطاهرة عليهم السلام أن وراء نزول قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا)، هو أن المسلمين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله كانت تأخذهم حماسة زائدة تفتقر إلى البصيرة، فيدخلون على عدوهم في المغارات فيتمكن العدو منهم فيقتلهم كيف يشاء، وأن الرجل منهم كان يحمل على العدو وحده من غير عهدٍ أو أمرٍ من رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنهم كانوا يخاطرون بنفوسهم في القتال فيقاتلون من لا يطيقونه. فنهاهم الله سبحانه عن قتل أنفسهم بهذه الأفعال لفرط رحمته بهم، فهذا كله من التهور الذي زاد عن حد الشجاعة ومقدارها، وهو من الفوضى التي ليس وراءها مصلحة دينية أو أخلاقية ترتجى.

أما الإقدام الشامخ الذي تجلى في كربلاء العزة والصمود، حيث وقف إمام الأحرار وثائر الحق الحسين بن علي عليهما السلام؛ فذاك طرازٌ آخر لا يمت إلى التهور بصلة، بل هو الشجاعة في أسمى تجلياتها، وهو درس الإباء الأبدي المكتوب بالدم!

صحيحٌ أن ظواهر الأفعال تبدو متشابهة في عين الناظر، حيث كان الحسين عليه السلام وأصحابه الأبرار؛ يحمل الواحد منهم على زحفٍ لا نهاية لعسكره وتسد الأفق جموعه، فبدوْا بذلك وكأنهم يخاطرون بقتال من لا يطيقونه؛ إلا أن الفارق الجوهري يكمن هنا في (المؤدّى والغاية).

أولئك المتهورون في زمان النبوة؛ لم تثمر دماؤهم فتحًا ماديًّا ولا نصرًا معنويًّا، ولو أنهم وقفوا عند أمر نبيهم صلى الله عليه وآله فلم يتجاوزا حدَّه بقتال من لا يطيقون؛ لرجعوا بلا خوف أن يلزمهم عار الاستسلام للعدو أو هوان الذل على يديه، فإن راية الإسلام كانت باقية خفاقة، والكيان الإسلامي كان محفوظًا بالوجود النبوي المقدس وفئة المؤمنين المحيطين به، فالرجوع إليهم وإلى هذا المركز؛ هو ما تتمثل فيه المصلحة الدينية.

أما الحسين وأصحابه صلوات الله عليهم، فقد أُغلِقت أمامهم السبل إلا سبيل الاستسلام والتراجع الذي يعني بذل صك العبودية للطغيان! فلم يكن لهم إلا الإباء والقتال، لأن تراجعهم يلزمهم عار الاستسلام للعدو وهوان الذل على يديه. وكيف يستسلم للذل مَنْ صرخته المدوية في آفاق الأرض: «هيهات منا الذلة»؟! وكيف يستسلم الذي قال فيه قائد جيش محاربيه عمر بن سعد: «لا يستسلم والله حسينٌ؛ إن نفسًا أبيَّةً لبيْن جنبيْه»؟!

إن استسلام القائد الديني في منعطف رهيب كهذا؛ وإعطاءه بيده إعطاء الذليل؛ لم يكن ليمُرَّ كحدثٍ عابرٍ يمكن تجاوزه، بل كان سيمثل تدميرًا نفسيًّا هائلًا لمعنويات أمة الحق من أتباع هذا القائد، الأمر الذي يجعل الدين الذي يحملونه اتِّباعًا له؛ في خطر الزوال أو الاضمحلال. ولا يقتصر هذا الخطر على الجيل المعاصر له؛ بل يمتد لأجيال وأجيال. هذا إن توالتْ أجيالٌ بعد الهزة النفسية المدمِّرة هذه.

ثم إن الحر المؤمن إذا وجد نفسه مقتولًا على كل حال من الأحوال، وأن الطغمة المتجبِّرة لا تطلب دمه فحسب؛ بل تطلب أيضًا إذلاله وسحق كرامته، غدا من الواجب عليه أن يستقبل الموت بترحاب، ليفوز بشرف الشهادة والخلود.

ولقد عبّر الحسين عليه السلام عن حقيقة أنه مقتول على كل حال في كلامه لابن عباس، إذ أشار عليه بصوت المهين الذليل أن يرجع ويصالح بني أمية، فقال: «هيهات هيهات يابن عباس! إن القوم لا يتركوني، وإنهم يطلبوني أين كنت حتى أبايعهم كرهًا ويقتلوني. والله لو كنت في جُحر هامة من هوام الأرض لاستخرجوني وقتلوني، والله إنهم ليعتدون عليَّ كما اعتدى اليهود في يوم السبت، واني في أمر جدي رسول الله حيث أمرني، وإنا لله وإنا إليه راجعون».

ومما ورد في ذيل كلامه عليه السلام؛ نفهم الفرق بين فعله وفعل أولئك المتهورين قبله، فإنهم حين أقدموا على قتال من لا قبل لهم به؛ كانوا مخالفين لأمر النبي صلى الله عليه وآله، أما هو - بأبي هو وأمي - حين أقدم على قتال من لا قبل له بهم؛ كان ممتثلًا لأمر جده صلى الله عليه وآله، ماضيًا على عهده المعهود وصراطه المرسوم.

وإذا علمنا أن النبي صلى الله عليه وآله من المحال أن يأمر بشيء لا تكون فيه مصلحة دينية؛ علمنا أن ما أقدم عليه الإمام السبط عليه السلام من القتال وطلب الشهادة؛ إنما كان في مصلحة دين جده، ولا يمكن أن يسمى تهورًا، حاشا لله، إنما يسمى شجاعةً وإباءً، لما رفعه هذا الإمام العظيم بذلك من أعلام الدين والحق، ولما شيَّده بتضحيته من حصون الحرية والعدل والإباء، التي حفظت دين محمد صلى الله عليه وآله من أن يسطو عليه الطغاة والجبابرة مدَّعين تمثيلهم له، يطوِّعونه على ما يشتهون، حتى تنعدم حرية الإنسان، ويصبح المسلمون جميعًا - باسم الدين - عبيدًا، لا لله، بل للحاكم الجائر أو «ولي الأمر» المزعوم! كما هي الحال البائسة التي يراها العالم بازدراءٍ في أتباع الطائفة البكرية التي تسمي نفسها زورًا بأهل السنة، فإنك حيثما رأيت؛ لا تجدهم سوى عبيدٍ أذلّاء للحكام، أمواتٍ - في هياكل القيم - لا أحياء! ذلك لأنهم يعيشون مرغَمين، وقد قال سيد الأحرار الإمام الحسين عليه السلام: «كفى بك موتًا أن تعيش وتُرغَما»!

شارك المقال على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp