دماء كربلاء: هل قُتِل الحسين عليه السلام يوم عاشوراء أم قبله؟!

شارك المقال على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp
دماء كربلاء: هل قُتِل الحسين عليه السلام يوم عاشوراء أم قبله؟!

6 محرم الحرام 1447

دماء كربلاء: هل قُتِل الحسين عليه السلام يوم عاشوراء أم قبله؟!

يقول الشيخ الحبيب:

الناظرون للأمور بسطحية هم الذين لا يمتد نظرهم إلى ما هو أبعد من اللحظة الزمنية، حيث تكون أصول العلل والأسباب، وجذور الدواعي والموجبات.

هؤلاء الواقفون على قشور الأحداث يظنون أن فاجعة مقتل الإمام الحسين عليه السلام كانت وليدة لحظتها الزمنية، وكأنها تطور دراماتيكي متسارع للأحداث في يوم عاشوراء وقُبيله بقليل، حين أحاطت ذئاب الأدعياء والطلقاء بسيد شباب أهل الجنة تدعوه للاستسلام؛ فأبى إباء الأحرار، فعجلوا عليه ولم يمهلوه.

أما حقيقة الأمر عند ثاقبي النظر، ومَن يقرأون التاريخ في غزارة منابعه وأعماقه، فهي أن هذه الفاجعة العظمى قد بدأت فصولها الدامية قبل يوم عاشوراء بدهر، وأن ذبح سبط رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن إلا نتيجة حتمية لسلسلة غاشمة من التآمر والانقلاب والغدر ونقض العهود!

فما كان ليزيد - الفاجر الجائر - أن يقبض على أزمَّة الأمة متسلِّطًا عليها لولا غدر أبيه ونقضه الصارخ للعهد الذي عهده للسبط الأكبر الإمام الحسن عليه السلام، القاضي بأن لا يعهد معاوية لأحد بالأمر بعده، بل يكون الأمر بعده للحسن عليه السلام، فإن حدث به حدثٌ فلأخيه الحسين عليه السلام. لكن الأخلاق الأموية سرعان ما أسفرت عن وجهها الكالح، فتجلَّتْ في كلمة معاوية التي تقطر دناءةً وغدرًا، والتي نقلها أبو إسحاق السبيعي إذ قال: «سمعت معاوية بالنخيلة يقول: ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به! قال أبو إسحاق: وكان والله غدّارًا»! (مقاتل الطالبيين لأبي الفرج ج1 ص45).

ولم يكن لمعاوية - ذي الأستاه - أن يتسلَّق رقاب المسلمين ويتولّى أمرهم لولا أن بذر بِذْرَتَهُ الطاغية عمر بن الخطاب ثم ثبَّته من بعده ابن عمه - حمال الخطايا - عثمان بن عفان، هذا مع علم عمر بنزعات معاوية الكسروية إذ كان ينظر إليه ملء عينيه ويقول: «هذا كسرى العرب»! (تاريخ دمشق لابن عساكر ج59 ص115)، ومع علمه بمطامعه وأنه يتحيَّن الفرصة ليستبز الإمرة العامة استبزازًا، إذ كان يقول: «فإن معاوية بالشام وستعلمون إذا وُكِلْتُم إلى رأيكم كيف يستبزُّها منكم»! (البداية والنهاية لابن كثير ج11 ص422). ومع علمه بلعن رسول الله صلى الله عليه وآله معاوية ودعائه عليه وتحذير الأمة من فتنته ودعوته إلى قتله إذ كان يقول: «لعن الله القائد والمقود! ويلٌ لهذه الأمة يومًا من معاوية ذي الأستاه»! (المعجم الكبير للطبراني برقم 13917)، ويقول: «اللهم عليك بصاحب الأُسْتَه»! (مسند الروياني برقم 335)، ويقول: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»! (أنساب الأشراف للبلاذري ج3 ص121).

وما كان لعمر أن يتولى أمر الأمة بعتوُّهِ وغِلْظته لولا أن صعَّدَهُ إلى الحكم صاحبه - الدجال الخدَّاع - أبو بكر بن أبي قحافة، متجاهلا اعتراض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وشكواهم إذ قالوا له: «استخلفت علينا عمر وقد عتا علينا ولا سلطان له، فكيف لو ملكنا؟! كان أعتى وأعتى! ماذا تقول لربك إذا قدمتَ عليه وقد وَلَّيْتَ علينا فظًّا غليظًا»؟! (المطالب العالية لابن حجر برقم 3880 والمنتقى للذهبي ص369 والسنة للخلال برقم 337 ومصنف ابن أبي شيبة برقم 39839 وغيرها). والعتو هو الطغيان وهو من صفات المستكبرين كما قال تعالى: (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا). والفظ الغليظ لا يجوز أن يولَّى القضاء فكيف بتوليته الخلافة؟! (المبسوط للسرخسي ج16 ص108).

وما كان لأبي بكر - الذي كان مُعْتَرى الشيطان بلسانه واعترافه - أن يتولى الأمر لولا الانقلاب الذي قاده في سقيفة بني ساعدة بدهائه ومعونة صاحبيه: عمر وأبي عبيدة، مستغلًّا غياب الخليفة الشرعي الإمام علي عليه السلام واشتغاله بجنازة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله؛ وتنازع الأنصار في ما بينهم، فطائفة متوثبة تريد الأمر لسعد بن عبادة، وطائفة تؤخره وتدافعه حسدًا كبشير بن سعد وأسيد بن حضير، وطائفة مؤمنة كانت تنادي بالشرعية وكأنها تصرخ في وادٍ سحيقٍ: «لا نبايع إلا عليًّا»! (تاريخ الطبري ج3 ص202). ثم كانت استعانة أبي بكر بقبيلة أسلم الذين استقدمهم من خارج المدينة ليفرضوا على أهلها بيعته بالإكراه والخبط والبطش! (تاريخ الطبري ج2 ص458 والكامل لابن الأثير ج2 ص331 والجمل للمفيد ص59). ذلك لأن «عامة المهاجرين وجٌلَّ الأنصار كانوا لا يشكُّون أن عليًّا هو صاحب الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله» (الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار ج1 ص220 عن محمد بن إسحاق صاحب السيرة).

فكل ناظرٍ لتسلسل أحداث الغدر والانقلاب هذه يدرك بداهةً أن السهم الذي أصاب نحر الحسين عليه السلام في كربلاء إنما انطلق من قوس السقيفة! فمنذ ذلك اليوم الأسود المشؤوم حُكِمَ على ابن الزهراء بالإعدام! ذلك لأنه اليوم الذي سُنّ فيه الظلم والجور على أهل بيت المصطفى صلى الله عليه وآله، وفُتح به الباب - على مصراعيه - لاضطهادهم، فتكون العقبى الحتمية لكل من يرفع لواء الرفض والمقاومة منهم: الإعدام!

ولقد كانت هذه الحقيقة الرهيبة معلومةً لدى أصحاب الضمائر كبني هاشم، كما نجده - على سبيل المثال - في أحد أهم مراجع الأدب واللغة، وهو كتاب الألفاظ الكتابية للهمذاني (ص143) إذ يذكر: «وقيل لرجل من بني هاشم: متى قُتِلَ الحسين بن علي؟ فقال: يوم سقيفة بني ساعدة! ولمّا أصاب زيد بن علي السهم وأحسَّ بالموت؛ قال لرجلٍ سأل عنهما: أين السائلي عن أبي بكر وعمر؟ هما أقاماني هذا المقام»!

وتؤكد هذه الحقيقة كلمة أبي عبد الله الحسين عليه السلام التي تهز أعطاف الكون يوم عاشوراء، ساعة وقع السهم المحدد المسموم ذو الشُّعَبِ الثلاث في قلبه الشريف، فأخرجه من قفاه وانبعث الدم كالميزاب، فلطَّخ به رأسه ولحيته وقال: «هكذا والله أكون حتى ألقى جدي رسول الله وأنا مخضوب بدمي وأقول: يا رسول الله! قتلني أبو بكر وعمر»! (مقتل الخوارزمي ج2 ص34).

أجل؛ إن الحسين عليه السلام قُتِل قبل يوم عاشوراء؛ في يوم السقيفة، بل قبله أيضا طبقًا لأخبار العترة الطاهرة عليهم السلام، حيث كشف لنا الصادق عليه السلام أن زمرة النفاق: أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وسالم مولى أبي حذيفة والمغيرة بن شعبة؛ تآمروا على الخيانة قبل يوم السقيفة وتعاهدوا في كتاب مكتوب: «لئن مضى محمد لا تكون الخلافة في بني هاشم ولا النبوة أبدًا» فنزل قوله تعالى: (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ).

وعقَّب الإمام الصادق عليه السلام على تلك المؤامرة الدنيئة بقوله الكاشف عن حقائق الغيب: «وهكذا كان في سابق علم الله عز وجل الذي أعلَمَهُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله أنْ: إذا كُتِبَ الكتاب؛ قُتِلَ الحسين»! (الكافي ج8 ص179).

شارك المقال على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp