ما ردكم على نفي محمد صنقور بقاء جسد الإمام الجواد مطروحا ثلاثة أيام؟ ونفيه لجزع الإمام الحسين على ابنه علي الأكبر؟

شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أجركم الله شيخنا الحبيب وأحسن الله لكم العزاء بذكرى استشهاد سيدنا ومولانا أبا عبدالله الحسين صلوات الله وسلامه عليه ولعن الله أعدائه وقاتليه إلى يوم الدين.

أما بعد.. فأن المدعو محمد صنقور المدّعي للعلم والتحقيق والذي غرر بكثير من الشعب البحراني للأسف الشديد بتشكيكه لعدة أمور وأحداث وأخرها ما أنكره من مصيبة مولانا الإمام محمد الجواد صلوات الله عليه من أنه بقي على سطح بيته مطروحًا لثلاثة أيام. وكذلك أنتشرت له مقالات ينشرونها بعض الصفحات الإعلامية من أنه نفى أن الحسين صلوات الله عليه صار عند مقتل علي الأكبر عليه السلام كالمحتضر وغارت عينيه في أم رأسه وأذهله الخطب حتى إنه لا يدري إلى إين يتجه وعويله على ابنه الذي ملأ به فضاء كربلاء (ولدي يا علي) ، وذكر بأنها حالة انكسار وعدم تصبر ، وقال بالنص: (ولو صدر من أحد العلماء أو الوجهاء لكان ذلك موجبًا لاستنقاصه ولهان عندنا شأنه!). ورد على الاستدلال ببكاء يعقوب عليه السلام حتى أبيضت عينه ، فقال: (النبي يعقوب عليه السلام كان يبكي وحده بوقار على فراق ولده أو بين ذويه ومحبيه) وأما "انهيار" الحسين عليه السلام (كان في محضر الأعداء) ولم يظهر بحالة السمت والوقار والتجلد وعدم الظهور بمظهر الضعف والانكسار حتى لا يشمت بهم الأعداء. وقال بالنص: (على أنه إذا كان البناء التنظير بأحوال الأنبياء (ع) دون ملاحظة اختلاف الظروف والملابسات، فالمناسب لمقام الإمام الحسين (ع) وعلو شأنه الذي لا يُسامى التنظير له بجده شيخ الأنبياء إبراهيم الخليل الذي بادر - مطمئنا مسلما - إلى فري أوداج ولده إسماعيل بيده لولا أن فداه الله تعالى بذبح عظيم. ولعله لذلك تلا سيد الشهداء (ع) حين ودع ولده الأكبر قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ / ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)..) ثم رد على قول أن الحسين عليه السلام اضطرب وخفي عنه جثمان ابنه حتى قاده جواد الأكبر عليه السلام بأن الإمام المعصوم لا يطيش ولا يذهله خطب مهما كان عظيمًا وجليلًا ولا يخرجه عن صوابه أو يسلب شيئًا من كمال عقله ورؤيته للواقع. وأخيرًا يقول أن هذا ينافي مقام العصمة ورباطة جأش الحسين عليه السلام. فما صحة كل ذلك يا شيخنا الحبيب؟ أحد محبيك من البحرين ٧ محرم الحرام ١٤٤٦


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عظم الله أجورنا وأجوركم بذكرى استشهاد الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه عليهم السلام، ولعنة الله على قاتليهم أجمعين.

بمراجعة الشيخ،

أما إبقاء جسد إمامنا الجواد صلوات الله عليه بعد استشهاده مطروحا على سطح داره ثلاثة أيام؛ فهذا ما اشتهر على ألسنة الخطباء مع أن مدركه الأصلي مختلف عنه، إذ لا يذكر الإبقاء على السطح بل الإلقاء منه إلى الأرض، ولا يذكر الثلاثة أيام بل يذكر أياما بقي مطروحا فيها في الزقاق لا يجسر أحد على الاقتراب منه ودفنه لمنع المعتصم لعنه الله من ذلك. قال المازندراني: «تورّم جسده وكان يقطر شبه الدم، فلما قضى نحبه أمر المعتصم بأن يرموا جسده الشريف من أعلى السطح إلى الأرض ومنع الناس أن يحملوه ويشيعوه ويدفنوه ويدنوا منه، وبقي جسده ملقى على الأرض أياما بلا غسل ولا كفن ولا دفن، وكان يسطع منه رائحة المسك والعنبر، فلما علم المعتصم ذلك خاف الفتنة وخاف الفضيحة فأمر بدفنه» (نور الأبصار ص276). وقد نقل المازندراني هذا من كتاب مخطوط بالفارسية هو جنات الخلود، لمحمد رضا بن محمد المؤمن، والذي فيه ما ترجمته: «في سن الخامسة والعشرين استشهد، ومن أثر شدة السم تورم بدنه المبارك وتمزق جلده وتقطع لحمه وانفصل عنه الجلد، فأصبح جسده ممتلئا بالدم من شدة السم. وبعد الوفاة ألقوا جسده المطهر من أعلى السطح، ولعدة أيام بقي البدن الطاهر مطروحا في الزقاق لا يجرؤ أحد على أن يقترب منه، وكانت رائحة المسك والزعفران تفوح من جسد الإمام المبارك، فرأى المعتصم أن هذه المعجزة ستبعث على فضحه؛ فأمر بدفنه، وبعد ذلك اجتمع الشيعة وأخذوا الجثمان الشريف» (جنات الخلود ص37).

وصاحب جنات الخلود لم يذكر مصدرا أو سندا وإنما اكتفى بالتمريض بقوله: «يقال»، الدال على أن المقول من قبيل الحكايات الشفهية آنذاك، ولولا ذلك لأمكن الادعاء بأنه اطلع على مصدر لهذا، إذ هو معاصر للعلامة المجلسي  الذي استُخرج في عهده من المصادر ما استُخرج.

ثم إن هذا المنقول قد تغير بعد عقود من الزمن، فقال الحسن بن علي اليزدي ما ترجمته إن أم الفضل بنت المأمون لعنهما الله «تركت جثمان الجواد صلوات الله عليه على سطح الدار ثلاثة أيام، فجاءت الطيور وغطته بأجنحتها. ثم أمر اللعين المعتصم برمي الجثمان المنور من أعلى القصر، فكان الناس المارة في الطرقات والأزقة يتساءلون: من ترك هذا الجثمان على جانب الطريق؟ فيقال لهم: إنه جثمان إمام الرافضة! فبقي على ذلك ثلاثة أيام». (أنوار الشهادة لليزدي ص414). وهذا المنقول المغيَّر أقرب كما ترى إلى ما اشتهر على ألسنة الخطباء.

ولا وجه لاستبعاد وقوع هذه الظلامة من جهة كرامة المعصوم، إذ الواقع - على المحكي - إنما هو من قبيل الانتهاك الصادر من الظالمين، وقد وقع ما هو أشنع منه على سيد الشهداء صلوات الله عليه، فلا استبعاد من هذه الجهة، كما لا استبعاد من جهة أن المحكي إنما ظهر في المصنفات المتأخرة، فإن مجرد الظهور المتأخر لا ينفي أن للمحكي أصلا قد يكون قد تلف أو أُتلف في حملات العدو على التراث الإمامي. إنما الوجه في الاستبعاد عندنا أنه لو كان لهذا المحكي واقع لشاع وذاع لمكان حجة الله الجواد عليه السلام ومنزلته الرفيعة عند الخاص والعام، ولا سيما أنه كان - حسب المحكي - مطروحا لأيام يراه المارة من هنا وهناك، ثم إن المعتصم وأم الفضل ومعهما بنو العباس قاطبة كانوا - بحسب التواريخ المتطابقة - قد أظهروا احتراما لأبي جعفر عليه السلام في حياته وبعد شهادته، حتى أنهم تظاهروا بالحزن والحداد، وشاركوا في الصلاة عليه. وإنما كان قتله على أيديهم غيلة بالسم بداعي التستر بالجريمة ودرء نقمة الخاصة والعامة عليهم، فلو كان المعتصم ومن معه - عليهم اللعنة - لا يأبهون بإظهار العداء له حتى ألقوه من سطح الدار وانتهكوا حرمته بتركه مطروحا في الزقاق لأيام؛ لما كان هناك من داع لما تصنعوه من احترامه وتبجيله في حياته وبعد شهادته أرواحنا فداه. وبعبارة أخرى؛ يبدو هذا المحكي لنا ناشزا عما قبله وما بعده، وأنه في ناحية وبقية التواريخ المتطابقة في ناحية. إلا أنه مع ذلك؛ ليس لنا منع الخطباء من ذكره على سبيل الحكاية لبعض ما يُحكى، فالله العالم بما وقع من صنوف المصائب على أئمة آل محمد الأطهار صلوات الله عليهم.

وأما ما يتناقله الخطباء عما أصاب سيد الشهداء عند استشهاد ولده علي الأكبر صلوات الله عليهما؛ فالظاهر أنه ككثير مما يتناقل مما كان أصله نصوص أدبية بلسان الحال، لا أنه من الروايات والمنقولات التاريخية أصلا، ثم غلب على الظن أنه منها، فلا بأس للخطيب بذكره بذلك القيد، وأن يقول مثلا: «كأني به.. إلخ». ودفعه بدعوى أنه يخالف العصمة والوقار وأنه موجب للاستنقاص والهوان والعياذ بالله؛ دعوى فيها غفلة عظيمة عن أن للمعصوم جنبتان؛ وحيانية وبشرية، وهذه الأخيرة لا تبتعد فيها انفعالاته عن انفعالات سائر البشر، فيجزع مثلا أشد الجزع، ولكنه في كل ذلك يكون في طاعة الله تعالى، مسلِّما لأمره وقضائه، مبينا لعِظَمِ المصيبة وعظمة المجزوع عليه في دين الله.

وعلى هذا القائل أن يراعي حدود الأدب وأن يتذكر أن هناك من الأسلاف من ذهبوا إلى مثل الذي ذهب إليه حتى عابوا على الزكي العسكري صلوات الله عليه خروجه عما اعتبروه من لوازم العصمة والوقار بزعمهم؛ حين أظهر الجزع بشق ثيابه على أخيه أبي جعفر سبع الدجيل عليه السلام؛ فكان من قول أبي محمد عليه السلام لأحدهم: «يا أحمق! ما أنت وذاك؟! قد شق موسى على هارون عليهما السلام. إن من الناس من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت كافرا، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا، وإنك لا تموت حتى تكفر ويتغير عقلك»! وهكذا كان لذلك الرجل، وهو أبو عون الأبرش قرابة نجاح بن سلمة، فإنه «ما مات حتى حجبه ولده عن الناس وحبسوه في منزله، في ذهاب العقل والوسوسة، ولكثرة التخليط، ويرد على أهل الإمامة، وانكشف عما كان عليه». (رجال الكشي ج2 ص842).

أعاذنا الله من أن نُخضع أفعال أئمتنا لاستحساناتنا ولما نتصور بعقولنا القاصرة.

وفقكم الله لمراضيه.

مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى

19 محرم الحرام 1446 هجرية


ملاحظة: الإجابات صادرة عن المكتب لا عن الشيخ مباشرة إلا أن يتم ذكر ذلك. المكتب يبذل وسعه في تتبع آراء الشيخ ومراجعته قدر الإمكان.
شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp