هل صحيح أن الشيخ المفيد والطوسي أخذا أصل العدل من المعتزلة؟

شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الحبيب اعذروني على كثرة أسئلتي جزيل الشكر لكم منذ فترة خرج احد مدعي العلم لربما أنتم تعرفونه وهذا المره اتهم الشيخ المفيد والشيخ الطوسي رحمها الله بانهما اخذ من المعتزلة بل ان اصل العدل عند الامامية ماخوذ من المعتزلة وتجاسر على الشيخ الطوسي رحمه الله بانه أفسد فقه الامامية بالاخذ من فقه العامة نرجو منكم توضيح الأمر جزاكم الله خير الجزاء


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

جواب المكتب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إنّ ما يروّجه بعض مدّعي العلم من دعاوى على الشيخين الجليلين المفيد والطوسي رضوان الله عليهما، ليس سوى ادعاءات بالونية فارغة يضحك عليها أهل التحقيق ويستدلّون بها على جهلٍ فظيع في مطلقها.

أولاً: إنّ اعتبار الشيعة الإمامية (العدل) أصلا من أصول الدين لم يكن وليد تأثير من المعتزلة في عصر الشيخين، بل هو مأخوذ من ينابيع الوحي التي فاضت بها مدرسة الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وكان مركوزاً في عقيدة شيعتهم قبل قرون من زمان المفيد والطوسي. ومن الشواهد الصريحة ما رواه الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد (ص ٩٦) أنّهم قالوا للإمام الصادق (عليه السلام): «إن أساس الدين التوحيد والعدل»، فقال (عليه السلام): «وأمّا العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه». فهل بعد هذا يُتوهّم أنّ الشيعة أخذوا أصل العدل من غير أئمتهم؟!

ثانياً: الحق أنّ المعتزلة هم الذين اقتبسوا أصل العدل من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، باعترافهم أنفسهم. فقد قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة (ج٢٠ ص٢٢٧): «وجملة الأمر أن مذهب أصحابنا في العدل والتوحيد مأخوذ عن أمير المؤمنين (عليه السلام)». بل إنّ القاضي عبد الجبّار المعتزلي ذكر في كتابه طبقات المعتزلة أنّ الأئمة الأطهار: أمير المؤمنين والحسن والحسين وزين العابدين والباقر والصادق والرضا (عليهم الصلاة والسلام) هم من علّموا الناس أصل العدل. فأيّ لَبس يبقى بعد شهادات كهذه؟

ثالثاً: أمّا كثرة التأصيل للعدل والإسهاب فيه في زمن الشيخين المفيد والطوسي، فلقد سئل الشيخ الحبيب عنه وأرجعه إلى نشاط المعتزلة يومئذٍ في طرح هذه المسألة الكلامية في المحافل، فكان لا بدّ للإمامية من أن يدلوا بدلوهم، ويبيّنوا مواقع الحق فيها عن مواقع الباطل. وهذا لا يعني بحال أنّهم أخذوا من المعتزلة، بل العكس هو الصحيح، فقد أكثروا الرد عليهم ونقد مقالاتهم في مصنّفاتهم كما نراه في كتب الشيخين، وهو أوضح شاهد على استقلالهم العقدي.

رابعاً: إنّ اختلاف أصول الدين بين المذهبين شاهد بيّن على أنّ الإمامية لم يتأثّروا بالمعتزلة؛ فالمعتزلة جعلوا أصول الدين خمسة: (التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). بينما الإمامية جعلوا الأصول خمسة مختلفة: (التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد). وقد صرّح الشيخ الطوسي في الرسائل العشر (ص١٠٣) بذلك، وتولّى الرد على المعتزلة ونقض آرائهم الفاسدة. ومن أمثلته رده على استدلالهم بآية الشفاعة، حيث بيّن أن المراد نفي الشفاعة عن الكافرين، وأثبت شمولها للمؤمنين خلافا للمعتزلة، محتجّاً بالأحاديث النبوية، فكان ردّه عليهم برهاناً قاطعاً على استقلال فكره ونظره. قال رضوان الله عليه في (ص٣٢٤): «مسألة عن الرد على المعتزلة في الشفاعة وتعلقهم بهذه الآية من كتاب الله: (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) ما الكلام معهم في ذلك على الاختصار؟ الجواب: الوجه في هذه الآية وغيرها أن تقول إن ذلك مختص بالكفار، فإن الكفار لا تنفعهم الشفاعة لأن النبي صلى‌ الله ‌عليه‌ وآله لا يشفع لهم، فأما المؤمنون فإنها تنفعهم، ولا خلاف أن ها هنا شفاعة نافعة للمؤمنين، فمن خالفنا في الوعيد يقول: تكون الشفاعة في زيادة المنافع، ونحن نقول في إسقاط العقاب لأنها هي الحقيقة في ذلك، وهي مجاز في زيادة المنافع، ولقول النبي صلى‌ الله ‌عليه‌ وآله: أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».

خامساً: أما زعم أن الشيخ الطوسي – حاشاه – أفسد فقه الإمامية بأخذه من فقه العامة، فهو هذيان آخر لا يصدر إلا عن الفاسد المفتري أو الجاهل الغبي، فقد كان شيخ الطائفة أبعد ما يكون عن الميل إلى فقه العامة، فهو في كتبه الفقهية يخالف أحكام العامة ويردها بكثرة، بل كثيرا ما يرد الروايات التي توافق أحكامهم آخذا بما خالفها من الروايات. وهذا لا يوجد له تفسير إلا نفوره - أعلى الله مقامه - من فقههم وعدم اعتداده به. ونظرة بسيطة لكتبه الجليلة ومنها كتاب (الخلاف) تثبت هذه النزعة فيه، حيث نجده يكون أكثر ميلا لمخالفة فقهاء العامة في أحكامهم حتى ولو كان هناك من أعلام الشيعة من يوافقهم فيها كأستاذه المرتضى، فمثلا يقول في (ج١ ص١٩٤): "مسألة ١٥٠: إذا كان الماء مقدار كر في موضعين، وحصل فيهما نجاسة، أو في أحدهما، لم يطهر إذا جمع بينهما. وقال الشافعي: يطهر. واختاره المرتضى. دليلنا: أنهما (ماءان) محكوم بنجاستهما على الانفراد، فمن ادعى انه إذا جمع بينهما زال حكم النجاسة، فعليه الدليل، وليس عليه دليل، فوجب أن يبقى على الأصل". فلو كان الشيخ الطوسي رضوان الله عليه متأثرا بفقه العامة أو ميَّالا لهم لوجدناه يأخذ بهذا الرأي مثلا، خاصة وأن في أساتذته الإمامية من كان يقول به أيضا، لكننا نجد الشيخ حريصا على المخالفة انتصارا لما يراه الحق. وبالتالي نعلم أنه حين نجد موارد يتفق فيها الشيخ مع بعض آراء العامة فليس ذلك لميوله لهم والعياذ بالله، وإنما ذلك هو ما قاده إليه نظره المبني على أصول وقواعد فقه الأئمة الأطهار من أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام).

فالنتيجة: أنّ هذه المزاعم لا قيمة لها علمياً، وهي أوهن من أن تُعرض على ميزان التحقيق، بل لا تزيد قائليها إلا افتضاحاً بجهلهم. والشيخان المفيد والطوسي يظلان من أعمدة مدرسة أهل البيت ومن صروحها الخالدة، وكل من جاء بعدهما يدين بالفضل لهما، رضي الله عنهما وحشرهما مع أوليائهما الأطهار (عليهم الصلاة والسلام).

وفقكم الله لمراضيه.

مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى

24 ربيع الأول 1447 هجرية


ملاحظة: الإجابات صادرة عن المكتب لا عن الشيخ مباشرة إلا أن يتم ذكر ذلك. المكتب يبذل وسعه في تتبع آراء الشيخ ومراجعته قدر الإمكان.
شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp