السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخ ياسر الحبيب كثيرا ما يشنع علينا البكرية بورد روايات عندنا في الكافي بجواز النظر الى عورة الكافر عندنا وانها مثل عورة الحمار ولا بأس بالنظر اليها ويقولون اذن لما لا تشاهدون الاباحية وغيره من التشنيع الكثير فسوالي جزاكم الله خير الجزاء ما ردكم على هذا الكلام وسوالي الثاني هل يوجد فقيه من فقهاءنا قال بجواز النظر الى عورة الكافر مثل الصدوق وصاحب الحدائق رحمهم الله نريد التوضيح منكم وهذا ولكم جزيل الشكر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
جواب المكتب:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا يصح لأهل الخلاف أن يُلزمونا بمثل هذا الاحتجاج، فإنّا لم نُوجب على أنفسنا تصحيح كل ما ورد في كتبنا الحديثية، كما هو شأنهم في تصحيح ما رواه البخاري ومسلم في كراسيهما. فليس كل ما ورد عندنا صحيحًا بالضرورة.
ومثل هذه الروايات مبحوثة في المتون الفقهية - أصلا - من قبل العلماء والفقهاء والمجتهدين، فمن قائل بالحرمة ومن قائل بالاحتياط ومن قائل بالجواز من غير تلذذ، بل إذا كان النظر بشهوة وتلذذ فإنه حرام بلا خلاف كما نقل ذلك البحراني عن المولى محمد تقي المجلسي في حدائقه.
وهذا إبراهيم النخعي - أحد أعلام التابعين عند أهل الخلاف - لا يرى حرمة النظر إلى بطون نساء أهل الذمة كما نقل ذلك عنه البجلي قال: ”سألت إبراهيم قال فقلت إنا نبايع العلوج بهذه الكرابيس فنرى بطونهن وأشعارهن فقال ليست لهن حرمة“. (تاريخ ابن معين ج4 ص331) ومنهم من وجَّه ذلك بأن لا يكون النظر بشهوة أو تلذذ.
بل ورد عندهم ما هو أشنع من جواز النظر إلى البطون، ففيها ما تعدى ذلك إلى تحسس العورة المغلظة والأثداء باليد!
فعن نافع أن ابن عمر بن الخطاب كان إذا أراد أن يشتري جارية فواطأهم على ثمن وضع يده على عجزها وبطنها وقُبُلها وكشف عن ساقها! أخرجه عبد الرزاق. (جامع السيوطي ح 39279)
وقد قال ابن حزم في المحلى ”وقد اختلف الناس في ذلك، فصحَّ عن ابن عمر إباحة النظر إلى ساقها وبطنها وظهرها، ويضع يده على عجزها وصدرها…“. (المحلى ج9 ص162)
فأين هذا مما ورد في رواياتنا؟ فلا قياس بينهما كما لا يخفى!
ولعله من الجيد هاهنا نقل ما ذكره آية الله السيد محمد رضا الشيرازي قدس سره في دروس بحث الخارج في مسألة جواز النظر إلى عورة غير المسلم:
الدليل الثامن: فحوى ما دلّ على جواز النظر إلى عورة غير المسلم
فإذا جاز النظر إليها جاز إلى غيرها بطريق أولى.
ويدل عليه أدلة:
الدليل الأول: ما دل على تقييد الحرمة بكون العورة عورة الأخ، والكافر ليس أخاً.
فمنها: ما عن الصادق (عليه السلام) : «لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه».
ومنها: ما عنه (عليه السلام) أيضاً: «من دخل الحمام فغض طرفه عن النظر إلى عورة أخيه آمنه اللّه من الحميم يوم القيامة».
ومنها: قول رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «عورة المؤمن على المؤمن حرام».
وفيه: إنّ اللقب لا مفهوم له، والاقتصار عليه لعله باعتبار كونه محل الابتلاء أو غير ذلك، فلا يدل على الانتفاء عند الانتفاء.
لا يقال: مورد الروايات الرجل لا المرأة و البحث فيها.
فإنه يقال: الأخ يشمل الأخت أيضاً، ولو بالأولوية، حيث لا يراد منه الذكر فحسب، بل مثله مثل قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا} بمعنى (مَن آمن) وكقوله: (من دعاه أخوه المؤمن إلى الإفطار) أي: مَن في الدائرة الإيمانية، ولا ظهور له في التذكير، وكما في منزوحات البئر (إذا وقع فيه ثعلب) الشامل لحكم الثعلبة.
نعم، يرى السيد الخوئي أنّ لكل لقب مفهوماً في الجملة، وقد تعرضنا لبحثه تفصيلاً في موضع آخر، وذكرنا أنه لا مفهوم له لا مطلقاً ولا في الجملة، إلا إذا كان له ظهور معين بقرائن.
الدليل الثاني: قصور المقتضي لحرمة النظر في نفسه، حيث لا إطلاق فيما دل على حرمة النظر إلى عورة الغير حتّى يشمل الكفار.
وفيه نظر: لقوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} وهو عام؛ ولأنّ الكفار مكلفون بالفروع، فيكونون مكلفين بالستر، والأمر بالستر يلازم عرفاً الأمر بالغض.
ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن ماء الحمام، فقال: أدخله بازار».
وهناك روايات متعددة تدل على وجوب الستر، وما ثبت للمسلم فهو ثابت للكافر؛ لقاعدة الاشتراك.
وكذا قوله تعالى: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} من جميع الاستمتاعات الشهوية المتحققة بالنظر واللمس والزنا، فالمقتضي للحرمة موجود.
الدليل الثالث: مرسلة الصدوق.
وهي: وروي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إنما أكره النظر إلى عورة المسلم، فأما النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار».
وقد قال تعالى: {إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}.
ويرد عليه: إن مراسيل الشيخ الصدوق ليست بحجة.
وقوله في المقدمة: «بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته، وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره» لا يدل على الصحة المصطلحة، بل الصحة بمعنى وجوب العمل ولو لبعض القرائن المحتفة، واطمئنان فقيه لا يكون حجة على غيره.
الدليل الرابع: - وهو العمدة - صحيحة ابن أبي عمير أو خبره.
علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل نظرك إلى عورة الحمار».
وفيه: إنّ الاستدلال بهذه الرواية مبني على أحد أمرين:
الأول: حجية مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده؛ لكونه من الثلاثة الذين لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة.
وفيه تأمل؛ لعدم حجية مراسيله، وإن قلنا بالحجية في مسانيده، على تفصيل مذكور في مبحث مشايخ الثقات.
لكن قد يقال: إنّ أدلة حجية قول الثقة تشمل ما لم يعلم استناده إلى ما لا يستند إليه؛ لمكان الإطلاق.
وبعبارة بسيطة: ثبت أنّ ابن أبي عمير لا يروي ولا يرسل إلا عن ثقة، وقد ثبت أنّ بعض مشايخه غير ثقات، وهم خمسة، فقوله: «عن رجل» يحتمل أن يكون من الخمسة غير الثقات، ولا يمكن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
وهنالك طريقة لدفع هذا الإشكال، وهو: إذا علم أنّ الثقة يستند إلى ما يستند إليه وما لا يستند إليه، فكلما ثبت أنه استند إلى ما لا يستند إليه فليس بحجة، ومع الشك فإطلاقات أدلة حجية قول الثقة تشمله، فإنّ أدلة (صدق العادل) تقول صدّقه ما لم يثبت الخلاف.
وهكذا الأمر في شهادة البينة مع احتمال استنادها إلى ما لا يستند إليه، وإلا وجب إلغاء نصف الشهادات مع اختلاف المباني.
وفي العروة: «لا يعتبر في البينة ذكر مستند الشهادة. نعم، لو ذكرا مستندها وعلم عدم صحته لم يحكم بالنجاسة».
وكذا الأمر في شاهد الهلال، وقول الوكيل في تطهير الثوب، والمسألة مبنائية.
الثاني: إنّ لفظة (غير واحد) تدل على أنّ الرواية وصلت إليه عن جماعة؛ لعدم صحة هذا التعبير فيما إذا رواها واحد أو اثنان، وتلك الجماعة يُطمأن بوثاقة بعضهم على الأقل؛ لأنّ من البعيد أن يكونوا كلهم غير ثقات.
ويرد عليه: صدق اللفظ على الاثنين مع أنّ اجتماع ثلاثة من المشايخ على الخطأ ونحوه أمر ممكن.
لكن قد يقال: إنّ احتمال ضعفهم جميعاً ضعيف جداً بنحو لا يعتني به العقلاء؛ إذ مشايخ ابن أبي عمير حوالي أربعمائة رجلٍ، والضعاف منهم خمسة، والباقون ثقات، واحتمال كون مجموع الثلاثة من الخمسة الضعاف وليس أحدهم من البقية البالغة ثلاثمائة وخمسة وتسعين شيخاً ضعيف، وهو يساوي احتمالاً واحداً من بين خمسمائة واثني عشر ألف احتمالٍ، وهذا المقدار لا يُعتنى به عند العقلاء، فتأمل.
يضاف إلى ذلك أنّ هذه الرواية كسابقتها مُعرضٌ عنها، كما يستكشف من إطلاق كلمات الفقهاء حرمة النظر إلى عورة الغير.
قال السيد الوالد في الفقه: «الروايات معرض عنها قديماً وحديثاً».
وفي المستمسك: «لكن هجرهما مانع من جواز الاعتماد عليهما».
وفي المهذب: «مهجور لدى الأصحاب، فلا يعتمد عليه».
وفي المستند: «إني لم أعثر على مصرح بالتجويز فيه».
وفي مشارق الشموس: «لو لم يكن مخافة خلاف الإجماع لأمكن القول بكراهة النظر».
وفي الجواهر: ادعاء الإجماع على الإطلاق.
وفي كتاب الطهارة: «الشهرة وعدم نقل الخلاف فيه».
وفي مصباح الفقيه: «إلا أن يقال: إن إعراض الأصحاب عنهما أسقطهما عن الحجية».
وفي فقه الصادق: «... ولكن إعراض الأصحاب عنهما وإفتائهم بالمنع يوجب سقوط الخبرين عن الحجية »
وفي كتاب الصلاة: «عدم العمل بهما من أحد والإعراض عنهما يعيّن المصير إلى مقتضى الأدلة».
كما أنّ صاحب العروة ذهب إلى الحرمة، حيث قال: «لا فرق في الحرمة بين عورة المسلم والكافر على الأقوى».
ووافقه عليه المحقق العراقي والمحقق النائيني والمحقق الحائري والسيد أبو الحسن الإصفهاني والسيد عبد الهادي الشيرازي والسيد البروجردي والسيد الحكيم والسيد الخونساري والسيد الوالد والسيد الگلپايگاني والسيد النجفي، وقال السيد الخوئي و السيد القمي: على الأحوط.
ولم نجد من ذهب إلى الجواز إلاّ الشيخ الكليني والشيخ الصدوق، باعتبار ذكرهما الرواية في كتابيهما الكاشف عن فتواهما على طبقها، كما أشارا إليه في المقدمة، وكذا صاحب الوسائل، ولعله يظهر من الحدائق أيضاً.
لا يقال: هنالك تعارض بين موافقة المتقدمين وإعراض المتأخرين.
فإنه يقال: المتحقق إعراض الكل، ولم نجد من المتقدمين إلا الكليني والصدوق.
لا يقال: لعل الفقهاء لم يتعرضوا لها للعنوان الثانوي.
فإنه يقال: إطلاق كلماتهم في حرمة النظر إلى العورة مع عدم التقييد كافٍ، ومقتضى القاعدة أنّ الفقيه يفتي طبق القاعدة الأولية.
بالإضافة إلى أنّ العنوان الثانوي متحقق حتى في النظر إلى نساء أهل الذمة، ومع ذلك أفتوا بجواز النظر إلى شعورهن ومفاتنهن. انتهى (بحوث في فقه النظر للسيد محمد رضا الشيرازي)
وفقكم الله لمراضيه.
مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى
5 ربيع الآخر 1447 هجرية