سلام عليكم. ما رأي الشيخ ياسر في إقرار البرلمان العراقي لـ "مدونة الأحكام الشرعية بمسائل الاحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري" بعد عقود من المطالبة، وصراع مع المنظمات النسوية والسفارات الغربية والمحامين المستفيدين من القوانين القديمة وكيف نرد على من يقول بأن عدم توريث الزوجة للأراضي يخالف صريح القرآن بأنّ لها أن ترث الربع أو الثمن مما ترك الزوج في الحالتين المعروفتين، فبأي دليل نخرج العقار والأرض من عموم قول الله تعالى {مما ترك}، ولماذا الرجل يرث أرض زوجته وعقاراتها وليس لها شيء مثله منه؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
جواب المكتب:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سماحته يؤيد هذا القانون من حيث المبدأ، لما فيه من احترامٍ لأحكام الشريعة الإسلامية، وتحقيقٍ للعدالة والإنصاف اللذين طال انتظارهما من قبل أكثرية الشعب العراقي الحريص على تطبيق فقه أئمة الهدى من آل البيت (عليهم الصلاة والسلام) بعد تاريخ طويل من المعاناة نظرا لتصادم القوانين الوضعية مع الأحكام الإلهية.
وأمّا قول من يزعم أنّ عدم توريث الزوجة من الأرض يخالف صريح القرآن الكريم، فذلك ناشئٌ عن الجهل بأصول الفقه، إذ اتفقت الكلمة على أن السنة تخصّص عمومات الكتاب، ولا يخالف في ذلك حتى فقهاء المذاهب الأخرى، فقد قال ابن النجار في (شرح مختصر التحرير ج٣ ص٣٥٩): «يُخصَّص الكتابُ ببعضه، ويُخصَّص أيضًا بالسنّة مطلقًا، سواء كانت متواترةً أو آحادًا».
وقد ورد في السنّة الصحيحة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أنّ المرأة لا ترث من الأرض والعقار عينًا ولا قيمة، وإنّما ترث ما ثبت فيه من بناءٍ وطوبٍ وأشجارٍ وآلاتٍ وأخشابٍ ونحو ذلك، فيكون هذا تخصيصًا لعموم الآية (مِمَّا تَرَكَ)، لا معارضةً لها كما يتوهّم الجهلة.
ومن الأحاديث الواضحة في ذلك ما رواه ميسر بياع الزُّطِّي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن النساء ما لهنّ من الميراث؟ فقال: لهنّ قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب، فأمّا الأرض والعقارات فلا ميراث لهنّ فيه. قلت: فالبنات؟ قال: البنات لهنّ نصيبهنّ منه. قلت: كيف صار هذا ولهذه الثمن ولهذه الربع مسمّى؟ قال: لأنّ المرأة ليس لها نسبٌ ترث به، وإنّما هي دخيلٌ عليهم، فجُعل الأمر كذلك لئلّا تتزوّج المرأة فيجيء زوجها أو ولدها من قومٍ آخرين فيزاحموا قوماً آخرين في عقارهم» (وسائل الشيعة، باب ٦ من أبواب ميراث الأزواج، حديث ٣).
وكذلك ما رواه زرارة ومحمد بن مسلم عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لا ترث النساء من عقار الدور شيئًا، ولكن يُقوَّم البناء والطوب ويُعطَين ثمنه أو ربعَه. وإنما ذلك لئلّا يتزوّجن فيفسدن على أهل المواريث مواريثهم» (المصدر نفسه، حديث ٧).
فهذه النصوص تبيّن الحكمة الإلهية البالغة في الحكم، وأنه ليس ظلماً للمرأة كما يدّعي الجاهلون، بل هو في الحقيقة يعطي المرأة حقها كما يعطي بقية الورثة حقوقهم بالعدل والإنصاف ويمنع مزاحمتهم وإفساد مواريثهم.
ثم إن من تأمّل في التشريع الإلهي علم أن الإسلام أعطى المرأة حقوقاً ماليةً مضمونةً تكفل كرامتها واستقرارها لتكون ذات اقتدار مالي طول عمرها، فهي تنال مهرها، ونفقتها، وسكنها، وعلاجها، وضمان إعالتها في جميع مراحل حياتها، دون أن تُكلَّف بالإنفاق على أحد في العادة، بينما أُلزم الرجل في العادة بالإنفاق على زوجته حتى مع عدم حاجتها وعلى آبائه وأمهاته وأولاده وأولاد أولادهم وأقاربه عند الحاجة. فليس في الحكم انتقاصٌ لحق الزوجة، بل هو عدالةٌ موزونةٌ تراعي طبيعة الأدوار والتكاليف، وتجعل توزيع الثروة متناسباً مع الواجبات الواقعة على كل طرف.
وبذلك يظهر أنّ ما يسمّيه الذين ينظرون بسطحية لأحكام الإسلام حرماناً أو نقصانا ليس كذلك لأن المرأة حاصلة على أضعافه إما ممن يعولها أو من بيت المال، وتحتفظ مع ذلك بنصيبها من الميراث الذي هو في الواقع زائد على حاجتها الفعلية، بخلاف الرجل الذي يجب عليه الإنفاق حتى من ميراثه. وهكذا هي الحكمة الإلهية التي تجمع بين حفظ الحقوق الفردية وصيانة النظام الأسري والاجتماعي. وكل متفقه في منظومة الأحكام الإسلامية يدرك أن شريعة الإسلام أعدل الشرائع وأحكمها.
وفقكم الله لمراضيه.
مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى
12 ربيع الآخر 1447 هجرية