كيف يمكن تفسير قصة النبي داود عليه السلام بما لا ينافي العصمة المطلقة للأنبياء؟

شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp

كيف تفسّر الآية ٢٤ من سورة ص بطريقةٍ لا تنسب ترك الأولى إلى النبي داود عليه السلام وتحافظ على العصمة المطلقة؟


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

جواب المكتب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إنّ عقيدة أهل البيت عليهم السلام قائمة على تنزيه أنبياء الله صلوات الله عليهم لا عن الشرك أو الكبائر أو الصغائر فحسب، بل عن كل ما يخالف المروءة، بل حتى عمّا يُسمّى بترك الأولى. فهم معصومون منه أيضاً.

وعلى خلاف ما اشتهر عند بعض الشيعة من جواز وقوع الأنبياء في ترك الأولى ما عدا النبي الأعظم صلى الله عليه وآله فإننا نرى أن العصمة تشمل حتى هذا المستوى، فلا يصدر منهم ما ينافي كمالهم بأي وجه.

وقد تناولت البحوث السابقة للشيخ الحبيب هذه المسائل بإسهاب، حيث بيّن تفاصيلها وفسّر النصوص التي قد يُتوهم منها صدور خطأ أو تركٍ للأولى، وذلك في ضوء الروايات الشريفة المعتبرة، مبيّنًا أن جميع هذه الموارد ترجع إلى باب المزاحمة والاضطرار ضمن إطار الحكمة الإلهية.

وأما ما بيّنه حول نبي الله آدم عليه السلام في مسألة العصمة من ترك الأولى، فإنه يجري على سائر الأنبياء كذلك. فمن أراد فليراجع:
https://al-qatrah.net/vi10769

أما بالنسبة للآية الكريمة من سورة (ص):

﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، فلا دلالة فيها على وقوع خطأ أو ظلم، ولا حتى تركٍ للأولى، بل هي واقعة ظاهرها شيء وباطنها شيء آخر، حيث تضمّنت اختباراً إلهياً محضاً.

ويمكن تفسيرها في إطار المزاحمة والاضطرار، تحقيقاً للحكمة الإلهية وإمضاءً للمقادير.

وعليه، لا يمكن نسبة أي قبيح أو إخلال حتى بمستوى ترك الأولى إلى الأنبياء، لأن ذلك ينافي كمالهم، والقضية هنا إنما هي امتحان واختبار.

وهذا المعنى هو ما ذهب إليه السيد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء (ص 126)، حيث ناقش هذه الآية والحادثة المنسوبة إلى داود عليه السلام، وذكر وجوهاً متعددة تُنافي العصمة ثم أبطلها جميعاً.

قال السيد المرتضى: ”أما قوله تعالى: ﴿وظنّ داود أنما فتناه﴾ فالظن هنا إمّا بمعناه المعروف، أو بمعنى اليقين، كما في استعمالات قرآنية أخرى.

وأما «الفتنة» فهي الاختبار والامتحان لا غير.

وأما الاستغفار والسجود، فليس عن ذنب، بل هو من باب الخضوع والانقطاع إلى الله تعالى، كما يفعل الإنسان عند تجدد النعم شكرًا وتعظيمًا.

وكذلك قوله: {وأناب} أي رجع إلى الله بالعبادة.

وقوله تعالى: ﴿فغفرنا له ذلك﴾ ليس بمعنى رفع عقاب، بل بمعنى القبول وإعطاء الثواب، على سبيل المجاز، كما في نظائر قرآنية أخرى. ثم يذكر السيّد المرتضى عدة وجوه قيلت لتفسير القصة (مثل قصة أوريا، أو الخطبة، أو التوسط، أو الانشغال بالنظر، أو العجلة في الحكم)، ويبيّن أن جميعها باطلة، لأنها إمّا تنسب معصية إلى النبي، أو أمورًا منفّرة لا تليق بمقام النبوة“.

فخلاصة الأمر، هذه الآيات لا تدل على أي ذنب أو خطأ أو حتى تركٍ للأولى، بل هي اختبار إلهي بحت، وما ورد فيها من ألفاظ كـ «الظن» و«الاستغفار» و«الغفران» يُحمل على معانٍ أخرى تليق بمقام العصمة.

وعليه، فالأنبياء عليهم السلام معصومون عصمة مطلقة، ولا يجوز نسبة الخطأ أو الاشتباه إليهم، وكل نصّ يوهم ذلك يُؤوَّل بما ينسجم مع هذا الأصل، فتأمل.

وفقكم الله لمراضيه.

مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى

21 شوال 1447 هجرية


ملاحظة: الإجابات صادرة عن المكتب لا عن الشيخ مباشرة إلا أن يتم ذكر ذلك. المكتب يبذل وسعه في تتبع آراء الشيخ ومراجعته قدر الإمكان.
شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp