السلام عليكم ورحمة الله. ما هي الأحاديث التي وردت في كتبنا الصحيحة عند الشيعة في هذا الموضوع: أن الإنسان إذا طلب الدين الحق والمذهب الحق لهذا الدين فإنه سيصل إليه؟! كثير من الملحدين يشككون ويقولون: هناك آلاف الأديان والمذاهب في العالم، ومن المستحيل أن نصل إلى الدين الحق الحقيقي، لأن دائمًا هناك مذهب آخر يمكن فحصه والبحث فيه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
جواب المكتب:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تُعد مسألة الوصول إلى الدين الحق من أكثر الإشكالات التي تُثار في عصرنا، خصوصًا مع ما يُقال عن كثرة الأديان والمذاهب، حتى يظن البعض أن هذا التعدد يجعل الوصول إلى الحقيقة أمرًا مستحيلًا. غير أن هذا التصور لا ينسجم مع ما قررته النصوص الدينية ولا مع المنطق العقلي السليم.
لقد أكدت روايات أهل البيت عليهم السلام في مصادر الحديث الشيعية المعتبرة، مثل الكافي وبصائر الدرجات، أن طلب الحق بصدق وإخلاص طريق موصل إلى الهداية، وأن الله تعالى لا يترك عباده الحريصين على الحقيقة في ضلال أو حيرة دائمة.
فقد ورد عنهم عليهم السلام: «لو اقتبستم العلم من معدنه لأضاء لكم».
وكذلك قولهم: «شرّقوا وغرّبوا، لن تجدوا علمًا صحيحًا إلا شيئًا يخرج من عندنا أهل البيت».
وهذه النصوص تشير بوضوح إلى أن الحق ليس مبعثرًا بلا معالم، بل له مصدر أصيل يمكن الرجوع إليه، وأن المشكلة ليست في غموض الحق، بل في كيفية طلبه والجهة التي يُؤخذ منها.
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.
حيث تدل الآية على أن الهداية الإلهية مرتبطة بالسعي الصادق، وأن من يبذل جهده في طلب الحقيقة لا يُحرم من التوفيق إليها.
أما بالنسبة لمن يقول بوجود آلاف الأديان والمذاهب مما يجعل الوصول الى الدين الحق من المستحيل عمليًا بحجة أن الإنسان لا يستطيع فحصها جميعًا. فهذا الاستدلال مبني على تصور غير دقيق لطبيعة البحث عن الحقيقة. فكثرة الآراء لا تعني انعدام الحقيقة، بل تعني وجود محاولات متعددة للوصول إليها، بعضها مصيب وبعضها مخطئ. وهذا أمر نراه بوضوح في سائر العلوم؛ فاختلاف النظريات العلمية أو المدارس الطبية لا يلغي وجود حقيقة علمية أو علاج صحيح، بل يدفع إلى مزيد من التحقيق والتمييز.
ثم أن الإنسان في الرؤية الإسلامية غير مكلّف بالإحاطة بكل الأقوال والاحتمالات، بل هو مكلّف ببذل وسعه ضمن ما هو متاح له من وسائل المعرفة. وقد بيّنت روايات أهل البيت عليهم السلام أن الله يحتج على العباد بما آتاهم من عقل وما وصل إليهم من علم، فلا يُحاسب الإنسان على ما لم يتمكن من معرفته.
إن الهداية في المنظور الديني ليست عملية عقلية بحتة فحسب، بل هي أيضًا توفيق إلهي يُمنح لمن يصدق في طلب الحق ويتجرد من الهوى والتعصب. فليس الإنسان متروكًا في متاهة لا نهاية لها، بل هو في مسار ترعاه العناية الإلهية، وتُفتح له فيه أبواب الفهم تدريجيًا.
وفقكم الله لمراضيه.
مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى
26 شوال 1447 هجرية