كيف نثبت أهمية علوم الحديث والرجال والكلام في فهم الدين؟

شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كنت في حوار مع احد من الموالين من قرابتي ولكن الظاهر انه ليس مقتنع بعلم الحديث وعلم الرجال وعلم الكلام والعلوم المحدثة برغم اني حاولت إقناعه باهميتها وضرورة الاستنباط منها للفهم أبعاد الدين وأحاديث وروايات الشريفة للعترة عليهم السلام لكني في الحقيقة عجزت ممكن لعدم أمتلاكي القدر الكافي من المعلومات للذالك اطلب منكم إجابتي على هذا السؤال ثم توجيهي إلى شروح او دروس عبر الانترنيت او كتاب معتبر يكون فيه تأصيل للمسالة او به تأصيل للاعتماد على هذه العلوم من روايات معتبرة على لسان اهل البيت عليهم السلام .كل الشكر والتقدير والاحترام لكم ونعتذر عن الإطالة


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

جواب المكتب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إنّ الاعتراض على العلوم الشرعية، كعلم الحديث وعلم الرجال وعلم الكلام، يُعدّ اعترافًا ضمنيًا بأنّ الاعتماد قائم على الذوق الشخصي أو الفهم الفردي، وهذا يفتح بابًا واسعًا للاضطراب في فهم الدين، ويُعرّض الحقيقة للتشويه والتبديل. ذلك أنّ الدين في أصله قائم على الوحي المنضبط، لا على الأهواء المتقلبة أو الانطباعات الذاتية التي تختلف من شخص لآخر.

فهذه العلوم لم تنشأ عبثًا، بل لها تأصيل عِتْرَوي. فمنهج التثبت من الحديث ونقله وتمحيصه ليس أمرًا طارئًا، بل هو أصل مؤصّل في كلماتهم وتعاليمهم صلوات الله عليهم، فقد وضعوا لنا منهجية وأسسًا شرعية لهذه العلوم.

جاء في الكافي الشريف: عن الإمام الصادق عليه السلام: «ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف».

فهذا النص يضع معيارًا نقديًا لقبول الحديث، ويؤسّس لقاعدة مهمّة في علم الحديث، وهي عرض المتن على القرآن الكريم وموافقته له. وهذه المهمّة منوطة بأهل الاختصاص ممّن يمتلكون الفقاهة في هذه المجالات، فلا يُعمل بها من قِبَل كل أحد، بل يتصدّى لها من كان عارفًا بالحديث، ومدركًا للمحكم والمتشابه، وقادرًا على التمييز بأن هذه الرواية تخالف القرآن الكريم أم لا.

فالاعتماد على الذوق الشخصي وحده يفتقر إلى معيار موضوعي يُحتكم إليه، مما يجعل الدين عرضة لتفسيرات متناقضة، بل وقد يؤدي إلى تبرير أي فكرة أو سلوك تحت غطاء "الإحساس" أو "القناعة الخاصة". وفي غياب هذه العلوم، لا يبقى هناك ضابط يميّز بين الحق والباطل، ولا ميزان يُرجّح بين الروايات والأفكار.

فلو واجه الباحث أو الطالب أو الفقيه الروايات والأحاديث، وأراد أن يستخرج منها مسألة فقهية أو عقائدية أو تاريخية أو قرآنية، فهل يتم ذلك بشكل عشوائي؟ قطعًا لا يمكن القبول بالعشوائية، فالفوضى لا تنتج معرفة دينية. ولا يمكن بمجرد الاطلاع أن يُستخرج حكم شرعي أو رأي عقائدي، بل لا بد من خطوات منهجية لازمة للباحث والفقيه، وهي التي من شأنها – عند مراعاتها – أن تُنتج بحثًا معتبرًا يُعتنى به.

فالوصول إلى الحقائق القطعية واليقينية لا يتحقق إلا من خلال منهج يجمع بين النقل الموثوق والعقل المنضبط، وهو ما جسّدته هذه العلوم عبر تاريخ طويل من البحث والتدقيق. ومن ثمّ، فإن رفضها لا يعني التحرر بقدر ما يعني الوقوع في فوضى فكرية تُغلق أبواب اليقين وتفتح المجال للشك والاضطراب.

فالمستشكل يجهل أهمية هذه العلوم التي تمثل ركائز أساسية للعقيدة. فعلم الحديث يُعد من الركائز الأساسية في المدرسة الشيعية الإمامية، إذ يمثّل المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم، ومن خلاله تُفهم معالم الدين، وتُستنبط الأحكام، وتُحفظ سيرة النبي الأكرم وأهل بيته عليهم السلام. فهو يمثل أساس الاستنباط الفقهي، ويضبط العقيدة ويؤصلها.

أما الغاية من علم الحديث فهي تحديد المقبول من المنقولات وتمييزها بحسب مجال الاستنباط؛ فما قد يُقبل في مجال قد لا يُقبل في غيره. وهذا لا يعني شطب جميع الروايات المرسلة في المجالات الأخرى، بل قد تُقبل رواية مرسلة في باب معين ولا تُقبل في باب آخر، وكذلك الحال في غيرها من الروايات حتى وإن كانت صحيحة.
فكيف يُقام الدين من دون هذا العلم؟ ولو أراد أحد أن يُلغي هذا العلم، فمن أين سيحصل على معالم دينه؟

أما علم الرجال، فهو علم مرتبط بعلم الحديث ارتباطًا وثيقًا، بل يخدمه بشكل مباشر. وله أيضًا تأصيل عِتْرَوي، حيث بيّنت الروايات الشريفة ضرورة التثبت من الراوي وعدم قبول كل ما يُنقل.

ورد عن محمد بن علي الباقر عليه السلام: «اعرفوا منازل الرجال منا على قدر روايتهم عنا».

وكذلك ما رواه الكشي بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: «لعن الله المغيرة بن سعيد، إنه كان يكذب على أبي، فأذاقه الله حر الحديد».

وأيضًا ما رواه الكشي بإسناده إلى عبد العزيز بن المهتدي قال: سألت الرضا عليه السلام فقلت: إني لا ألقاك في كل وقت، فعن من آخذ معالم ديني؟ قال: «خذ من يونس بن عبد الرحمن».

فالمعصوم هنا يبيّن ضرورة الاهتمام بحال الراوي ومكانته، وهذا أصل واضح لعلم الرجال والجرح والتعديل. فالنظر إلى أحوال الرجال أمر معتبر عند الإمامية. وقد سلك جمهور أهل العلم في مدرسة أهل البيت عليهم السلام هذا المسلك، لبيان أحوال الرواة التي لها مدخل في قبول رواياتهم أو ردّها.

يقول شيخنا الطوسي رحمه الله في العدة في أصول الفقه (الجزء الأول ص 141): (وممّا يدلّ أيضًا على صحة ما ذهبنا إليه، أنا وجدنا الطائفة ميّزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار، ووثّقت الثقات منهم، وضعّفت الضعفاء، وفرّقوا بين من يُعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يُعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم وذمّوا المذموم، وقالوا فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب، وفلان مخلط، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي، وفلان فطحي، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها، وصنّفوا في ذلك الكتب، واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم، حتى إنّ واحدًا منهم إذا أنكر حديثًا نظر في إسناده وضعّفه برواته. هذه عادتهم على قديم الوقت وحديثه لا تنخرم، فلولا أنّ العمل بما يسلم من الطعن ويرويه من هو موثوق به جائز، لما كان بينه وبين غيره فرق، وكان يكون خبره مطروحًا مثل خبر غيره، فلا يكون فائدة لشروعهم فيما شرعوا فيه من التضعيف والتوثيق وترجيح الأخبار بعضها على بعض، وفي ثبوت ذلك دليل على صحة ما اخترنا).

فعلم الرجال وسيلة إلى تمييز الراوي الثقة من غيره، وأصل النظر في مسألة الرجال معتبر ومؤصَّل.

أما بشأن علم الكلام، فإنما سُمّي بهذا الاسم بلحاظ أنه مأخوذ من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فهو الواضع الأساس لعلم الكلام. وهو أول من تكلم في المباحث الإلهية، فعلم الكلام ليس المقصود به الكلام المتداول، وإنما هو علم يبحث في أصول الدين، ويختص بإثبات العقيدة بالحجج والأدلة والبراهين، والتي تتضمن التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد. فهذا العلم يبحث هذه الأصول من أدلتها المعتبرة.

وقد أُلّفت كتب كثيرة في هذا المجال من العلماء المتقدمين والمتأخرين، منها: قواعد المرام لابن ميثم البحراني، وكتب العلامة البلاغي عمومًا، واللوامع الإلهية للفاضل المقداد، وشرح تجريد الاعتقاد للعلامة الحلي، وغيرها.

فعلم الكلام له تأصيل، وهو من أهم العلوم وأساس لكل علم، فبه يُعرف الدين.

في نهج البلاغة: عن أمير المؤمنين عليه السلام: «أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده».

فهذا النص يُعد من أهم الأسس في علم الكلام حول التوحيد ومعرفة الله.

وعنه عليه السلام في نهج البلاغة: «لم يُطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته».

وهنا يبيّن المعصوم حدود العقل البشري في إدراك الذات الإلهية، فارتكاز علم الكلام إنما هو على ما تكلّموا به، فصار ذلك بمثابة حجر الزاوية لهذا العلم.

وهناك الكثير من الروايات التي تبيّن هذه الأصول والمعارف الإلهية التي يبحثها علم الكلام. نعم، العترة صلوات الله عليهم لم يستخدموا مصطلح "علم الكلام"، لكنهم وضعوا أسسه وبيّنوا المسائل الاعتقادية في التوحيد والتنزيه والعدل الإلهي.

فإنكار هذا العلم من الأصل ليس إلا موقفًا يفتقر إلى الإحاطة بتاريخ العلوم الإسلامية ووظائفها.

نرشدكم إلى متابعة السلسلة العقائدية في علم الكلام للشيخ الحبيب، ففيها تأصيل لعلم الكلام، حيث أسهب الشيخ الحبيب في هذه المسائل وبيّن قواعد وأسس علم الكلام على ضوء روايات أهل البيت صلوات الله عليهم، تحت عنوان: علم الكلام - أصل العلم، وتحديدًا الدرس الخامس والسادس والسابع:

https://youtu.be/ZXYzFpjvh1E?si=63DQrfkLyP8VcUDc

https://youtu.be/D04DoDOwlVQ?si=56a6izPTILq7zype

https://youtu.be/s46Qn5By2CM?si=bplbV8tv9gwnXNgr

وفي علم الحديث والرجال، لا بأس بمطالعة كتاب السبحاني (كليات في علم الرجال) وكتابه الآخر (أصول الحديث وأحكامه في علم الدراية)، لكن الشيخ لا يوافق كل ما في هذين الكتابين.

وفقكم الله لمراضيه.

مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى

3 ذو القعدة 1447 هجرية


ملاحظة: الإجابات صادرة عن المكتب لا عن الشيخ مباشرة إلا أن يتم ذكر ذلك. المكتب يبذل وسعه في تتبع آراء الشيخ ومراجعته قدر الإمكان.
شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp