سلام عليكم شيخنا الحبيب تقول الشبهة لماذا الله خالق كل شيء وضع اعصاب للحيوانات وثم يامرنا بالأضحية ببعض الحيوانات لماذا الله يجعل الحيوانات تتعذب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
جواب المكتب:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرد على هذه الشبهة يستلزم فهمًا مترابطًا يجمع بين العقل ونصوص القرآن الكريم وروايات العترة، لأن هذه الشبهة تقوم في حقيقتها على تصور ناقص لطبيعة الألم والحياة والرحمة الإلهية.
فالألم في الكائنات الحية ليس شرًا محضًا ولا أداة تعذيب، بل هو ضرورة وجودية وآلية حماية تحفظ بقاء الكائن، إذ إن الحيوان لو لم يشعر بالألم لما استطاع تجنب الأخطار أو حماية نفسه من التلف، مما يؤدي إلى هلاكه سريعًا، وعليه فإن وجود الأعصاب ليس لغرض التعذيب بل هو جزء من نظام حكيم دقيق.
كما أن الحياة في هذا العالم قائمة على مبدأ التغذي، أي أن كائنًا حيًا يعيش على حساب كائن حي آخر، فالإنسان سواء أكل النبات أو الحيوان فهو في جميع الأحوال يستهلك حياةً أخرى، وبالتالي فالإشكال الحقيقي ليس في أصل إزهاق الحياة لأنه أمر حتمي، بل في الكيفية التي يتم بها ذلك، وهل تكون عبثية قاسية أم منضبطة بنظام أخلاقي رحيم.
وهنا يظهر دور التشريع الإسلامي الذي لم يجعل الذبح هدفًا بحد ذاته بل وسيلة ضمن منظومة تربوية روحية، حيث يصرّح القرآن الكريم بقوله تعالى: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَـكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ)، فالمقصود هو التقوى والطاعة لا الدماء ولا إيلام الحيوان.
ومن جهة أخرى لم يترك الإسلام عملية الذبح بلا ضوابط، بل قيّدها بأقصى درجات الرحمة، فقد أوصت النصوص الشريفة الواردة عن المعصومين بالرفق بالذبيحة.
جاء في بحار الأنوار عن دعائم الإسلام: عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إذا أردت أن تذبح ذبيحة فلا تعذب البهيمة، أحدَّ الشفرة واستقبل القبلة ولا تنخعها حتى تموت.
وأكدت الروايات الشريفة على الرفق بالبهائم وأن لا تحمَّل فوق طاقتها.
جاء في البحار عن علي عليه السلام: ”ارفق بالبهائم، ولا توقف عليها أحمالها، ولا تسقى بلجمها، ولا تحمل فوق طاقتها“.
كما ورد عن المعصومين صلوات الله عليهم جملة من التوجيهات التي تمنع تعذيب الحيوان كعدم إظهار السكين له وعدم ذبحه أمام غيره والإسراع في إنهاء حياته، وهذه التعاليم تكشف أن الإسلام لا يبيح القسوة بل يضع نظامًا أخلاقيًا دقيقًا حتى في لحظة إنهاء الحياة.
كما أن الذبح الشرعي من الناحية الواقعية يعد من أقل الوسائل إيلامًا لأنه يؤدي إلى فقدان الوعي بسرعة نتيجة قطع الأوداج، مما يقلل الألم إلى الحد الأدنى الممكن مقارنة بغيره من الطرق.
إضافة إلى ذلك فإن القرآن الكريم يبين أن للحيوانات دورًا ضمن نظام كوني متكامل حيث قال تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)، فهي ليست مخلوقة عبثًا بل لها وظائف في الغذاء والمنفعة والتوازن البيئي.
ومع ذلك فإن العدالة الإلهية لا تهملها، إذ تشير روايات العترة إلى أن الحيوانات يُقتص لبعضها من بعض، مما يدل على شمول العدل الإلهي حتى لغير المكلّفين.
وعليه فإن هذه الشبهة تنشأ من نظرة عاطفية مجتزأة تركّز على الألم بمعزل عن وظيفته وتتجاهل طبيعة الحياة القائمة على التغذي وتغفل النظام الأخلاقي الذي جاء به الإسلام، بينما التحليل العقلي والنصي يكشف أن الألم ضرورة لحفظ الحياة وأن إزهاقها ضمن حدود الرحمة أمر لا مفر منه في هذا العالم وأن الشريعة قدّمت أرحم صورة ممكنة لهذا الواقع مع توجيهه نحو غاية أخلاقية وهي التقوى.
فلا يوجد تناقض بين الرحمة الإلهية ووجود الذبح بل هناك انسجام ضمن نظام حكيم متكامل لا عبث فيه ولا ظلم.
وفقكم الله لمراضيه.
مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى
10 ذو القعدة 1447 هجرية