السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الحبيب أرجو أن تكونوا في صحة وعافية عندي سؤال لو تكرمتكم: ما رأيكم في كلام الشيخ حسن الميلاني في كتابه الإعلان عن أسرار الفلسفة والعرفان في هامش صفحة ٩ عن الشيخ الميرزا الاصفهاني مؤسس المدرسة التفكيكية حيث قال: (والمؤلف هو الميرزا مهدي الإصفهاني مبتدع مدرسة التفكيك ، وهو كان يظهر المخالفة الشديدة مع الفلاسفة والعرفاء ولكنه لم يأت مع الأسف بشيء غير ما نسجه العرفاء والفلاسفة في مقام الإثبات ، وهو مع هذا يدعي أن مدرسته هي مدرسة القرآن وأهل البيت عليهم السلام ؛ فمال إلى مدرسته بعض من لا خبرة له بحقائق المعارف الدينية وعقايد الفقهاء والمتكلمين ، ولهذا صار مذهب التفكيك من أعظم مصائب الإسلام فعلا، لأنه يروج أوهام الفلاسفة والعرفاء والصوفية باسم مدرسة أهل البيت عليهم السلام كما قد صرح بذلك ورد عليه جميع العلماء والمراجع الذين رأوا مکتوبات مؤسسة وإن يحسن الظن به بعضهم من جهة شخصيته فقط لا من حيث مطالبة العلمية ، فمدرستهم من هذه الجهة تكون كفرقة الشيخية وهم أعظم خطرا وأشد ضررا على شيعة أهل البيت عليهم السلام من نفس الفلسفة والعرفان جدا) ويقول عن احد المؤلفين ايضًا في نفس الهامش والذي ينتمي لمدرسة التفكيك: (والمؤلف من أساطين مدرسة التفكيك التي تظهر المخالفة مع الفلاسفة والعرفاء ولكنها موافقة معهم في جميع مباني مطالبهم الباطلة) وكذلك يقول عن الشيخ الاصفهاني في نفس الهامش: (والمؤلف هو رئيس مدرسة التفكيك المروجة لعقيدة وحدة الوجود تحت لواء نفيها!!)
فهل هناك توضيح لديكم بشأن ذلك؟ وهل فعلًا مدرسة التفكيك لديهم نفس المباني الباطلة؟ أم أن الشيخ حسن الميلاني لديه اشتباه في ذلك؟ أم أن بعض المنتمين لمدرسة التفكيك لديهم بعض المباني الباطلة والتي توافق مباني الفلسفة والعرفان؟ بصراحة لم يتضح لي الموضوع خصوصا وأن ما أعرفه أن بعض المراجع وكذلك العلماء العدول هم ممن ينتمون للمدرسة التفكيكية، كما أني وجدت رأيكم في القطرة حول المنهج التفكيكي وكتاب الأصفهاني أبواب الهدى فكان الجواب من المكتب (الشيخ عموما مع المنهج التفكيكي ويثني على الميرزا الأصفهاني وكتابه) وبالمقابل هناك اجابة أخرى حول الشيخ حسن الميلاني فكان الرد (بمراجعة الشيخ: عالم متصدٍّ للباطل والمبطلين، محل تقدير.) وعليه كيف نوفِّق بين تأييدكم شيخنا لكتاب أبواب الهدى ومن جانب آخر الشيخ حسن الميلاني يطعن في بعض المعتقدات المذكورة فيه؟ نرجو منكم التفضل بالإجابة حول هذا الموضوع بشيء من التفصيل جزاكم الله خير. وجزاكم الله خير الجزاء ولا تنسونا من دعواتكم وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى بجاه النبي المصطفى وآله الطيبين الطاهرين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بمراجعة الشيخ،
ليس يمتنع أن يكون لمتكلم سدادٌ في اتجاه يفقده في اتجاه آخر، ولا سيما إذا اشتدت الخصومة. فهذا عبد الرحمن بن الحجاج كان يقول لهشام بن الحكم - وكلاهما متكلمان ثقتان عظيما الشأن -: «كفرتَ والله بالله العظيم وألحدت فيه! ويحك ما قدرت أن تشبِّه بكلام ربك إلا العود يُضرب به»؟! (رجال الكشي ص279).
ولقد وقفنا على بعض ما انتقده الشيخ الميلاني على الميرزا الأصفهاني رحمه الله فوجدناه يفتقر إلى الدقة وينمُّ عن تحامل، كنسبته إليه الاعتقاد بوحدة الوجود والعياذ بالله! وخذ مثالا على ذلك ما جاء في كتابه (معرفة الله تعالى بالله ص244) فلقد كان مما عدَّه دليلا على هذا الاعتقاد الكفري قول الميرزا: «ومعنى كونها بالغير في عالم التشبيه كظل الشيء».
لكنك إن رجعتَ إلى العبارة الأصلية في كتاب الميرزا (أنوار الهداية ص24) لوجدتها مجتزأة من كلام مفصل هو أبعد ما يكون عن الاعتقاد بوحدة الوجود. قال رحمه الله: «قد قلنا سابقا إن نور العقل والعلم تُكشف به حقائق الأشياء، فإنه إذا حضر في العقل صورة فعل يكون ظلما؛ فيحكم العقل بقبحه، فنور العقل يكشف عن كون الفعل مظلما لأنه ليس من سنخ النور. وبعد حضور النور لكشف القبح، فيرجع ذلك النور إلى الروح المدرك بسبب النور، فيكشف نور العقل عن كونه مظلما لأن إدراكه بواسطة النور، وإذا فُقِدَ النور فُقِدَ الإدراك. وإن الروح لا يدرك نفسه فكيف يدرك غيره؟ ولولا نور العلم لكان جاهلا بذاته وبجميع الأشياء. وكذلك يعكس النور إلى إنِّية ذاته فيكشف عن كونها مظلمة، وكونها قائمة بالغير بحيث يكون كونها وشيئيَّتُها وجميع عوارضها من نومها ويقظتها، وصغرها وكبرها، وضعفها وقوتها، وصحتها وسقمها، وإقبالها على شيء وإدبارها عنه، وموتها وحياتها.. كلها بالغير، بمعنى أنها كونٌ لها واقعية، لها تحقق، لكن واقعيتها وتحققها بالغير بحيث تشير إلى قَيِّمِها إشارة تكوينية. ومعنى كونها بالغير في عالم التشبيه كظل الشيء، فإن كيان الظل وكونه حقيقي، لأنّا نرى انتقاله وطوله وقصره، لكن كونه وتحققه لا بذاته. ويدل عليه خروج العوارض عن قدرته واختياره. نعم، وهب الله تعالى له رأيا وقدرة في أفعاله لأنها تحت إرادته واختياره، وذلك سلطنة النفس التي أكرمها الله تعالى به لصحة الثواب والعقاب والمدح والذم، وفي ما عدا ذلك ليس له شيء، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة. ومرادنا من الإنية هو الواحد المحفوظ في جميع حالاته من زمان جنينيَّته ورضاعه إلى هرمه. يقول: (أنا). وإذا رأى في الرؤيا شيئا يقول: (أنا رأيت كذا وكذا). مع أنه ملقى بلا حس ولا حركة ولا مشعر. والعقل يحكم بأن الإنيَّة الذاتية مظلمة، ولها قَيِّمٌ يدبُّرها بحيث لا تقدر على اليقظة في وقت النوم، ولا تقدر على النوم في وقت اليقظة، حتى أن حضور النور العلمي لكشف مجهولاته ليس بيده وتحت قدرته. إنه قد يوهَبُ النور فيدرك، وقد لا يوهَب فلا يدرك، وقد ينسى مع كمال تحفُّظه، وقد يتذكر من غير مذكِّر. فالنور يحكم لذاته ونفسه أنه ليس أمره وكيانه تحت اختياره، بل هو مخلوق وله قَيِّمٌ قد يرسله إليه وقد لا يرسله، فنور العلم كشف لنا أيضا أن جميع الكائنات مظلمات لأنها ليست من جنس النور».
فها أنت ترى بعد إرجاع تلك العبارة المشتبهة ووضعها في سياقها أنه لم يُرِد إلا أن الكائنات ليست مستقلة في واقعيتها وتحققها وقدراتها، وإنما قيامها بقيام بارئها ومدبِّرها جل وعلا، ومشيئتها راجعة إلى مشيئته، كما قال سبحانه: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وكما يقول القائل منا: «بحول الله وقوته أقوم وأقعد». فالميرزا إذن يثبت الإثنينية وجودًا وواقعًا وفعلًا، فأين هذا الكلام من وحدة الوجود؟!
وغاية ما هنالك أنه قد ورد في سياق كلامه تشبيهٌ بالظل لنفي القيام الاستقلالي، فإذا اجتُزئت هذه العبارة من سياقها فإنها توهم ما توهمه لأنها تقترب من لغة العرفاء المبطلين، أما إذا وُضعت في سياقها فإن المراد يتضح.
وفقكم الله لمراضيه.
مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى
17 ذو القعدة 1447 هجرية