أين تتجلى الحكمة الإلهية في آلام الأطفال؟

شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp

بما أن الله عزوجل متصف بالرحمن الرحيم ومتجل بالعدل المطلق الذي لا يظلم مثقال ذرة يبرز هذا التساؤل الإنساني: كيف يفهم وقوع هذا القدر من الألم على أطفال لم تجر عليهم أقلام التكليف ولم يحاسبوا على ذنب ولم يخيروا في واقعهم ولا في مصائرهم؟ كيف تفهم رحمة الله سبحانه أمام مشاهد أطفالٍ يعذبون حتى الموت، أو يتركون للجوع والعطش والبرد والقصف، كما هو الحال في غزة، وهم لم يقترفوا خطيئة، ولم يبلغوا سنًّا يُختبر فيه الإيمان؟ ولو كانوا بالغين لقيل: هذا جزاءُ ذنوبهم أو ابتلاءٌ يُمحَّص به المؤمنون، أما الأطفال فبأي ميزان يفهم ألمُهم؟ لم الله يسمح ان يقع الآلم والظلم على طفل بريء، ولا ينقذه منه او ان لايسمح بان يظلم اساسا؟ إن هذا التساؤل لا يصدر عن شك في رحمة الله ولا اعتراض على عدله، بل عن رغبة صادقة في فهم الحكمة الإلهية.


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

جواب المكتب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذا التساؤل قد طرح من قبل، وقد أجاب عنه سماحة الشيخ الحبيب، وتجدون الجواب مفصلا في الحلقة التاسعة من سلسلة هواجس فكرية وبالتحديد في الصفحة 186 من الكتاب، وحاصله: 

يمكن الإجابة على هذا السؤال من زاويةٍ أوسع من مجرد النظر إلى لحظة الألم نفسها.

فنعم لا ذنب للأطفال، فهم لم يبلغوا سنّ التكليف أصلًا، ولم تُكتب عليهم الذنوب، فإنه بالنتيجة كل نفس ستموت، وكل نفس لها أجلها الذي قدّره الله تعالى.

فهذا الطفل الذي مات في هذا العمر المبكر بسبب كارثة أو ظلم أو حرب، تجده في العالم الآخر يشكر الله تعالى ملايين المرات على أنه قبضه في هذا العمر، لأنه انتقل مباشرةً إلى الجنة مرتاحًا، ولم يكن عليه حساب ولا كتاب، وهذه نعمة عظيمة لا يدركها الإنسان حين ينظر إلى الأمر من زاوية الدنيا فقط.

فمن يقضي بميتةٍ كهذه قد يقول يوم القيامة: إلهي الحمد لك أن قبضتني إليك وأنا الآن في راحة ونعيم، قبل أن أتعرض لفتن الدنيا واختباراتها، وربما لا أنجح فيها فأتعرض بسبب ذلك للعذاب أو العقاب.

ومن جهة العقل البشري المجرّد، أليس هذا — من حيث المآل النهائي — خيرًا له؟ أن يحصل على الجنة ونعيمها بلا حساب، وبلا تكاليف وفرائض ومسؤوليات، وبلا عناء الحياة ومشاقها، بينما غيره يعيش سنوات طويلة في الدنيا، ويجاهد نفسه، ويتحمل الصعوبات والابتلاءات، ويجتنب المحرمات، ويصبر على أذى الحياة حتى ينال أجر الصابرين وما أعدّه الله للمؤمنين؟

وحتى لو افترضنا — كما يقول بعض الملاحدة كأنتوني فلو — أنه لا توجد حياة بعد الموت، فإن قبض الطفل في عمر مبكر ليس شرًّا محضًا على كل حال، لأن هذا الكائن على أقل تقدير لم يتعرض لكثير من آلام الدنيا وعذاباتها.

فالحياة الدنيا لا تخلو من التعب والأذى، ولا يوجد إنسان لم يذق شيئًا من المرارة أو المعاناة أو المتاعب. فالناس يواجهون الأمراض، والأزمات النفسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويعانون من الفقد والخوف والهموم والمحن بمختلف أنواعها.

ولهذا نقول: إن الطفل الصغير حين يقبضه الله عز وجل في عمر مبكر، فإن أدنى منفعة يحصل عليها أنه يتجنب كثيرًا من تلك الآلام والفتن الدنيوية التي يتمنى بعض البشر اليوم لو استطاعوا الهروب منها أو التخلص من قسوتها.

بل إن بعض غير المتدينين يصرّحون أحيانًا بأنهم لو عاد بهم الزمن إلى الوراء لاختاروا الموت المبكر أو الانتحار قبل أن يعيشوا كل ما رأوه من عذاب الدنيا ومتاعبها، بسبب ما تعرضوا له من أزمات نفسية أو معيشية أو اجتماعية أو غير ذلك.

فالدنيا بطبيعتها ليست دار راحة كاملة، بل هي مليئة بالمحن والابتلاءات التي يتعرض لها كل إنسان، إمّا في صحته، أو نفسه، أو ماله، أو أسرته، أو مجتمعه، أو غير ذلك من وجوه المعاناة.

لذلك علينا ألّا ننظر إلى الأمور من زاوية ضيقة محصورة بالحياة الدنيا فقط، بل ننظر إلى الصورة الكاملة، حيث تكون الآخرة هي دار الجزاء والراحة الحقيقية، وحيث يظهر تمام عدل الله ورحمته سبحانه وتعالى. 

وفقكم الله لمراضيه.

مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى

20 ذو القعدة 1447 هجرية


ملاحظة: الإجابات صادرة عن المكتب لا عن الشيخ مباشرة إلا أن يتم ذكر ذلك. المكتب يبذل وسعه في تتبع آراء الشيخ ومراجعته قدر الإمكان.
شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp