السلام عليكم في بعص الأخبار عن الإمام الصّادق عليه السلام وهو يتحدث عن دخول القمر في برج العقرب: "مَن تزوّج امرأةً والقمرُ في العقرب لم يرَ الحُسنى". وعنه: "مَن سافر أو تزوّج والقمر في العقرب لم يرَ الحسنى" ... إلخ وتبدو الأحاديث من الاعتبار بمكان؛ فأفتى الفقهاء بكراهة التزويج والقمر في العقرب ... ونحن نعلم اليوم أن دخول القمر في برج العقرب، يُحسب بالتاريخ الميلادي ... سؤالي: كيف كان الإمام الصَّادق عليه السلام والشيعة في وقته يحسبون دخول القمر في برج العقرب، والحال أنّ التقويم الهجري لا يساعد على ذلك؟ وهل ثبت أنّ الإمام عليه السلام كان يستخدم تقويمًا غير التقويم الهجري القمري في مثل هذه الأمور التي يلجأ الآن في تحديدها إلى التقويم الميلادي؟!
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بمراجعة الشيخ،
إن العرب كانت تعرف السنة الشمسية وشهورها منذ القديم بحكم تجارتها مع الروم، وبسبب هذه المعرفة تصرَّف أهل الجاهلية في السنة القمرية بالكبس والنسيء رعايةً لمصالحهم الدنيوية. قال الرازي: «إن القوم علموا أنهم لو رتبوا حسابهم على السنة القمرية، فإنه يقع حجهم تارةً في الصيف وتارةً في الشتاء، وكان يشق عليهم الأسفار، ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات، لأن سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في الأوقات اللائقة الموافقة، فعلموا أن بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا، فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية، ولما كانت السنة الشمسية زائدة على السنة القمرية بمقدار معين احتاجوا إلى الكبيسة، وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران: أحدهما؛ أنهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهرا بسبب اجتماع تلك الزيادات. والثاني: أنه كان ينتقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة وبعده في المحرم وبعده في صفر ، وهكذا في الدور حتى ينتهي بعد مدة مخصوصة مرة أخرى إلى ذي الحجة (…) فهم تركوا أمر الله في رعاية السنة القمرية، واعتبروا السنة الشمسية رعاية لمصالح الدنيا، وأوقعوا الحج في شهر آخر سوى الأشهر الحرم، فلهذا السبب عاب الله عليهم وجعله سببا لزيادة كفرهم، وإنما كان ذلك سببا لزيادة الكفر؛ لأن الله تعالى أمرهم بإيقاع الحج في الأشهر الحرم، ثم إنهم بسبب هذه الكبيسة أوقعوه في غير هذه الأشهر، وذكروا لأتباعهم أن هذا الذي عملناه هو الواجب، وأن إيقاعه في الشهور القمرية غير واجب، فكان هذا إنكارا منهم لحكم الله مع العلم به وتمردا عن طاعته، وذلك يوجب الكفر بإجماع المسلمين، فثبت أن عملهم في ذلك النسيء يوجب زيادة في الكفر». (تفسير الرازي ج16 ص46)
وإذا كانت العرب تعرف السنة الشمسية وشهورها في الجاهلية؛ فكيف لا تعرفها في الإسلام وقد تحضَّرت بسببه وتثقَّفت وتمدَّنت واختلطت بالحضارات الأخرى أكثر وأكثر؟!
وأحاديث أئمتنا الأطهار صلوات الله عليهم كاشفة عن هذه المعروفية بدقة، كالذي روى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: «تزول الشمس في النصف من حزيران على نصف قدم، وفي النصف من تموز على قدم ونصف، وفي النصف من آب على قدمين ونصف، وفي النصف من أيلول على ثلاثة أقدام ونصف، وفي النصف من تشرين الأول على خمسة ونصف، وفي النصف من تشرين الآخر على سبعة ونصف، وفي النصف من كانون الأول على تسعة ونصف، وفي النصف من كانون الآخر على سبعة ونصف، وفي النصف من شباط على خمسة ونصف، وفي النصف من آذار على ثلاثة ونصف، وفي النصف من نيسان على قدمين ونصف، وفي النصف من أيار على قدم ونصف، وفي النصف من حزيران على نصف قدم». (من لا یحضره الفقیه ج1 ص223)
وفي الرسالة الذهبية لإمامنا الرضا صلوات الله عليه: «أما فصل الربيع فإنه روح الأزمان وأوله آذار وعدد أيامه ثلاثون يوما وفيه يطيب الليل والنهار وتلين الأرض ويذهب سلطان البلغم ويهيج الدم ويستعمل فيه من الغذاء اللطيف واللحوم والبيض النيمبرشت ويشرب الشراب بعد تعديله بالماء ويتقى فيه أكل البصل والثوم والحامض ويحمد فيه شرب المسهل ويستعمل فيه الفصد والحجامة. وثلاثون يوما فيه يطول النهار ويقوى مزاج الفصل ويتحرك الدم وتهب فيه الرياح الشرقية ويستعمل فيه من المآكل المشوية وما يعمل بالخل ولحوم الصيد ويعالج الجماع والتمريخ بالدهن في الحمام ولا يشرب الماء على الريق ويشم الرياحين والطيب. أيار أحد وثلاثون يوما وتصفو فيه الرياح وهو آخر فصل الربيع وقد نهي فيه عن أكل الملوحات واللحوم الغليظة كالرءوس ولحم البقر واللبن وينفع فيه دخول الحمام أول النهار ويكره فيه الرياضة قبل الغذاء. حزيران ثلاثون يوما يذهب فيه سلطان البلغم والدم ويقبل زمان المرة الصفراوية ونهي فيه عن التعب وأكل اللحم داسما والإكثار منه وشم المسك والعنبر وينفع فيه أكل البقول الباردة كالهندباء وبقلة الحمقاء وأكل الخضر كالخيار والقثاء والشيرخشت والفاكهة الرطبة واستعمال المحمضات ومن اللحوم لحم المعز الثني والجذع ومن الطيور الدجاج والطيهوج والدراج والألبان والسمك الطري. تموز أحد وثلاثون يوما فيه شدة الحرارة وتغور المياه ويستعمل فيه شرب الماء البارد على الريق ويؤكل فيه الأشياء الباردة الرطبة ويكسر فيه مزاج الشراب وتؤكل فيه الأغذية اللطيفة السريعة الهضم كما ذكر في حزيران ويستعمل فيه من النور والرياحين الباردة الرطبة الطيبة الرائحة. آب أحد وثلاثون يوما فيه تشتد السموم ويهيج الزكام بالليل وتهب الشمال ويصلح المزاج بالتبريد والترطيب وينفع فيه شرب اللبن الرائب ويجتنب فيه الجماع والمسهل ويقل من الرياضة ويشم من الرياحين الباردة. أيلول ثلاثون يوما فيه يطيب الهواء ويقوى سلطان المرة السوداء ويصلح شرب المسهل وينفع فيه أكل الحلاوات وأصناف اللحوم المعتدلة كالجداء والحولي من الضأن ويجتنب فيه لحم البقر والإكثار من الشواء ودخول الحمام ويستعمل فيه الطيب المعتدل المزاج ويجتنب فيه أكل البطيخ والقثاء. تشرين الأول أحد وثلاثون يوما فيه تهب الرياح المختلفة ويتنفس فيه ريح الصبا ويجتنب فيه الفصد وشرب الدواء ويحمد فيه الجماع وينفع فيه أكل اللحم السمين والرمان المز والفاكهة بعد الطعام ويستعمل فيه أكل اللحوم بالتوابل ويقلل فيه من شرب الماء ويحمد فيه الرياضة. تشرين الآخر ثلاثون يوما فيه يقطع المطر الوسمي وينهى فيه عن شرب الماء بالليل ويقلل فيه من دخول الحمام والجماع ويشرب بكرة كل يوم جرعة ماء حار ويجتنب أكل البقول كالكرفس والنعناع والجرجير. كانون الأول أحد وثلاثون يوما يقوى فيه العواصف وتشتد فيه البرد وينفع فيه كل ما ذكرناه في تشرين الآخر ويحذر فيه من أكل الطعام البارد ويتقى فيه الحجامة والفصد ويستعمل فيه الأغذية الحارة بالقوة والفعل. كانون الآخر أحد وثلاثون يوما يقوى فيه غلبة البلغم وينبغي أن يتجرع فيه الماء الحار على الريق ويحمد فيه الجماع وينفع الأحشاء فيه مثل البقول الحارة كالكرفس والجرجير والكراث وينفع فيه دخول الحمام أول النهار والتمريخ بدهن الخيري وما ناسبه ويحذر فيه الحلو وأكل السمك الطري واللبن. شباط ثمانية وعشرون يوما تختلف فيه الرياح وتكثر الأمطار ويظهر فيه العشب ويجري فيه الماء في العود وينفع فيه أكل الثوم ولحم الطير والصيود والفاكهة اليابسة ويقلل من أكل الحلاوة ويحمد فيه كثرة الجماع والحركة والرياضة». (بحار الأنوار ج59 ص306)
وفقكم الله لمراضيه.
مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى
16 صفر الأحزان 1447 هجرية