ما وجه الجمع بين استيلاء الأشعريين على قم وبين مدح الإمام الصادق عليه السلام لهم ووصفهم بالنجباء؟

شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين. إلى سماحة الشيخ ياسر الحبيب، حفظه الله ورعاه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بدايةً، أحب أن أتقدم بجزيل الشكر لسماحتكم، وللجنة حفظ ونشر آثار الشيخ ياسر الحبيب، على جهودكم الدؤوبة وأعمالكم المباركة، ولا سيما ما شهدناه في الآونة الأخيرة من نشر الكتب النافعة والمفيدة. وأسأل الله تعالى أن يطيل في عمر سماحتكم، وأن ينفع بكم المسلمين، وأن يبارك في علمكم وتحقيقاتكم وثمرات جهودكم، وأن يجزيكم عليها خير الجزاء في الدنيا والآخرة.

سماحة الشيخ، لدي سؤال وإشكال عرض لي أثناء قراءتي لكتابكم «قم الرافضية»، وهو تقرير لإحدى محاضراتكم. ورد في الحديث عن الأشعريين الذين نزلوا قم أنهم استولوا عليها، وقد نقلتم في هذا السياق ما ذكره الحموي، حيث يقول: «فلما انهزم ابن الأشعث ورجع إلى كابل منهزماً، كان في جملته إخوة يقال لهم: عبد الله، والأحوص، وعبد الرحمن، وإسحاق، ونعيم، وهم بنو سعد بن مالك بن عامر الأشعري، وقعوا إلى ناحية قم، وكان هناك سبع قرى اسم إحداها كمدان، فنزل هؤلاء الإخوة على هذه القرية حتى افتتحوها وقتلوا أهلها واستولوا عليها، وانتقلوا إليها واستوطنوها، واجتمع إليهم بنو عمهم، وصارت السبع قرى سبع محال بها، وسميت باسم إحداها وهي كمدان، فأسقطوا بعض حروفها فسميت بتعريبهم قماً. وكان متقدم هؤلاء الإخوة عبد الله بن سعد، وكان له ولد قد رُبي بالكوفة فانتقل منها إلى قم، وكان إمامياً، فهو الذي نقل التشيع إلى أهلها، فلا يوجد بها سني قط».

وموضع الإشكال عندي هو أن ظاهر هذه الرواية التاريخية ـ إن صحت وكانت على ظاهرها، ولم تكن هناك ملابسات أو أسباب أخرى لم يذكرها الحموي ـ أن هؤلاء دخلوا القرية وافتتحوها وقتلوا أهلها واستولوا عليها ثم استوطنوها. وهذا الفعل، بمجرده ومن دون وجود مسوغ شرعي أو سبب آخر يغيّر صورته، يبدو لي فعلاً مشيناً لا يمكن تبريره لمجرد أن الذين قاموا به كانوا ممن انتسب لاحقاً إليهم نشر التشيع في قم. ومن هنا وقع عندي الإشكال عند ملاحظة ما رُوي عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام في رجال الكشي في شأن عمران بن عبد الله القمي، وهو أخو موسى بن عبد الله، من أبناء عبد الله بن سعد الأشعري، إذ جاء عنه عليه السلام قوله: «هذا نجيب قوم نجباء، ما نصب لهم جبار إلا قصمه الله».

فسؤالي لسماحتكم يتلخص في الآتي: كيف نجمع بين وصف الإمام الصادق عليه السلام لهم بأنهم «قوم نجباء»، وبين ما ينقله الحموي من أن أسلافهم افتتحوا تلك القرى وقتلوا أهلها واستولوا عليها؟ وهل ثبت تاريخياً أن ما فعله عبد الله بن سعد وإخوته كان على الصورة التي نقلها الحموي فعلاً، أم أن هناك تفاصيل وملابسات تاريخية أخرى لم يذكرها، من شأنها أن تغيّر فهمنا للحادثة؟ وإذا صح أصل ما نقله، فهل كان هناك مسوغ شرعي لما قاموا به من الاستيلاء على تلك القرى وقتل أهلها؟ كذلك، هل قول الإمام عليه السلام: «هذا نجيب قوم نجباء» يراد به تزكية عبد الله بن سعد وإخوته، أي الجيل الذي نُسب إليه فتح قم والاستيلاء عليها، أم أن المقصود خصوص عمران وموسى ومن كان في طبقتهما من الأشعريين الذين عُرفوا بالإيمان والولاء لأهل البيت عليهم السلام، فلا يلزم من الحديث تزكية أفعال من سبقهم؟ أرجو من سماحتكم التفضل بتوضيح هذه المسألة؛ إذ كثيراً ما تعرض لي مثل هذه الإشكالات عند قراءة الوقائع التاريخية، ولا سيما عندما يبدو ظاهر بعض الوقائع متعارضاً مع ما نعرفه من القيم الشرعية والأخلاقية، فأحب أن أعرف الوجه الصحيح في فهمها قبل الحكم عليها. جزاكم الله خير الجزاء، وحفظكم الله ورعاكم، وأطال عمركم في خدمة محمد وآل محمد عليهم الصلاة والسلام. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بمراجعة الشيخ،

إن مجرد انضمام هؤلاء إلى ميليشيا ابن الأشعث دون احتمال أن يكون دفعًا للأظلم بالظالم ونحوه؛ دليلٌ على كونهم طالحين، فكيف وقد زادوا على ذلك باستباحة الآمنين؟! ومعه لا بد من إماطة تزكية الصادق عليه السلام عنهم، وإناطتها بالذين من بعدهم من الأشعريين من أمثال عمران وموسى عليهما الرحمة، ولا سيما أنهم الذين عُرفوا بالتشيع؛ لا آباؤهم، وأن الصادق عليه السلام إنما سأل عمران عن غير الآباء والأعمام ومَن بطبقتهم، بقوله: «كيف أنت؟ وكيف ولدك؟ وكيف أهلك؟ وكيف بنو عمك؟ وكيف أهل بيتك؟» (رجال الكشي ص333).

أما التشكيك في أصل الاستباحة على ما نقله السمعاني والحموي؛ فليس بذاك، إذ الأصل من تاريخ أبي الوفاء محمد بن أحمد بن القاسم الأخسيكثي، ولم يكن متهما، لا على الشيعة ولا على غيرهم.

وفقكم الله لمراضيه.

مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى

11 جمادى الأولى 1448 هجرية


شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp