ما الحكمة في تأخير آية الكلالة إلى ختام سورة النساء مع ورود أحكام المواريث في أولها؟

شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp

السلام عليكم، أرجو أن تتفضّل بتوضيح مسألةٍ أشكلت عليّ في سورة النساء: كيف ترتبط الآية الأخيرة منها - آية الكلالة ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ...﴾ - بما قبلها من السياق؟ يعني كيف تنسجم هذه الآية مع الآيات التي قبلها مباشرة (١٧١-١٧٥) والتي كانت في الردّ على أهل الكتاب والغلوّ في المسيح عليه السلام، في حين أن موضوع الكلالة قد ذُكر مرّةً في أوائل السورة؟ ألم يكن الأنسب - بحسب الظاهر - أن يُذكر بقيّة حكم الكلالة هناك في أول السورة مع بقيّة أحكام المواريث، حتى يكون الكلام في مكانٍ واحد؟ فما هي النكتة البلاغية أو التفسيرية في تأخيرها إلى آخر السورة وختم السورة بها؟


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عظم الله أجورنا وأجوركم بذكرى استشهاد السيدة الزهراء عليها السلام، ولعنة الله على قاتليها أجمعين.

بمراجعة الشيخ،

إن القرآن الحكيم لم ينزل بأسلوب الكتابة، بل نزل بأسلوب الخطابة. وللخطابة أصولها الأدبية والبلاغية التي تقتضي المداورة، والالتفات، والقطع والانتقال، والعود إلى حيث البدء، والتكرار، إلى ما هنالك، ويكون السياق حينئذ محكومًا، لا حاكمًا كما في أسلوب الكتابة. وهذا كله لأن الخطابة بهذه الأصول؛ أوقع في القلوب وأبلغ، فأنت إذا سمعتَ خطيبًا يخطب وقد بدأ بمطلب، ثم توسَّع وتشعَّب حتى أتى على ذكر مطالب  عديدة مع ما يصاحبها من ترغيب وترهيب ووعظٍ وتحبيب، ثم يفجأك بقطع ذلك كله وختم كلامه بالمطلب الأول، فإن هذا المطلب لا يكون كغيره، فإنه ينطبع في ذهنك انطباعًا خاصًّا، بخلاف ما لو كان ماضيًا في سياقه.

ولهذا تتكرر هذه الظاهرة في القرآن الحكيم، وهي مع ذلك ليست تتنافى مع الترابط والانسجام في المعاني والمقاصد، إنما على اللبيب أن يدقق نظره ويوسعه حتى يدرك أن لكل سورة مصبٍّ واحد عريض، وإن اشتملت على مطالب مختلفة وسياقات متباينة، فهذه سورة النساء التي سألتَ عنها، قد بدأت بالدعوة إلى التقوى مقرونةً ببيان رجوع الخلقة إلى نفس واحدة خلق الله منها زوجها وبثَّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، ثم أتت على ذكر ما يقتضيه العدل والصلاح في أحكام هذه الكثرة المتكثرة، في الإرث والزواج والتجارة وغيرها، ثم حذَّرت من تجاوز حدود الله وعصيانه، ثم سطَّرت بعض الجزاءات على هذا التجاوز وعواقبه، ثم ذكرت بعض الآفات الاجتماعية كالبخل والرياء، وهكذا توسعت السورة في بيان القوانين العامة والخاصة، والحقوق والواجبات الفردية والأسرية والاجتماعية، ثم عرَّجت على ذكر أعداء الأمة وجناياتهم ومكائدهم، وحثَّت على مجابهتهم، كما حثَّت على مجابهة المنافقين، وأوصت بالتمسك بالقيادة الإسلامية وطاعتها، وبيَّنت فضل المطيعين وسوء العاصين، ثم ذكرت ما يضبط ردود أفعال المؤمنين تجاه غيرهم ولا سيما في القتال، وحضَّت على الهجرة في سبيل الله، ثم عادت لبيان الأحكام التي تستصلح هذه الكثرة المتكثرة ولا سيما في حقوق النساء واليتامى،  وحذَّرت مجددا من الكفر والعصيان، وأوعدت المنافقين والكافرين العذاب الأليم، وذكرت بعض ما كان من أممهم السابقة في نبوة موسى ونبوة عيسى عليهما السلام، مع الوعظ على إثره  بمواعظ شتى، ثم قطعت ذلك كله بالعودة إلى أحكام الاستصلاح المزبورة بشيء من تفصيل الكلالة، وختمت السورة بقوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).

فها أنت ترى - إذا تأمَّلتَ - أن المصبِّ في ذلك كله مصبٌّ واحد عريض، وهو بيان ما ينظم اللبنات الأساسية للمجتمع - فردًا أو نفسًا واحدةً وزوجًا وأسرةً - وصولًا لتنظيم أمر الأمة، إذ لا ينتظم أمر المجتمع الإنساني إلا بانتظام أصغر لبناته. وهذا الانتظام إنما يعتمد على بيان الأحكام والحقوق والضوابط الخاصة والعامة، لكيلا يضل الناس عنها.

ولك أن تلتفت إلى أن ما بين نزول الآيتين في الكلالة من الزمن شوطًا، فلقد عُرِفت الآية الأولى في الكلالة بآية الشتاء إذ نزلت فيه، فيما عُرفت الآية الأخرى - وهي آخر آيات هذه السورة - بآية الصيف إذ نزلت فيه. وهكذا روي عن الطاغية عمر بن الخطاب قوله: «سألتُ رسول الله عن الكلالة فقال: تكفيك آية الصيف» (فقه القرآن ج2 ص340). وفي هذا من الحكمة ما يهذِّب الناس ويُرسِّخُ الأحكام ويوكِّدها في أنفسهم وذاكرتهم على غير إحدارٍ يهضم أو طَيٍّ يُنسي. ولو أن آية الصيف هذه أُلحقت بآية الشتاء لمكان وحدة السياق؛ لما كان لهذه الحكمة أن تتم، لأنها تعتمد على هذا التفريق الزمني في الذاكرة.

وفقكم الله لمراضيه.

مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى

13 جمادى الأولى 1448 هجرية


شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp