السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نأمل من سماحتكم بيان الرأي العلمي والعقائدي حول المقولة الشهيرة المنسوبة لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): (ما عبدتك يا رب خوفاً من نارك ولا طمعاً بجنتك، بل وجدتك أهلًا للعبادة فعبتك) وكما ورد عنه عليه السلام: «إِنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللَّهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَإِنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللَّهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللَّهَ شُكْرًا فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ». فكيف يمكن الجمع بين هذا المضمون وبين النصوص والأحاديث الأخرى المعتمدة، وكذلك مع الآيات القرآنية الصريحة التي تأمر بالدعاء والعبادة "خوفاً وطمعاً"، كقوله تعالى: ﴿ وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف: 56]. ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ [السجدة: 16]. الله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. 1-فهل يقع تعارض ظاهري أو حقيقي بين هذه النصوص؟ وكيف يُوجه هذا المعنى عند العلماء؟ وجزاكم الله خيراً. 2-هل ثبتت نسبة العبارة المذكورة إلى أمير المؤمنين عليه السلام بسند معتبر؟ وما هو أقدم مصدر إمامي وردت فيه؟ وهل توجد اختلافات في ألفاظها بين المصادر؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عظم الله أجورنا وأجوركم بذكرى استشهاد السيدة الزهراء عليها السلام، ولعنة الله على قاتليها أجمعين.
بمراجعة الشيخ،
تقسيم العبادة إلى هذه الثلاثة أقسام؛ متكثِّر الرواية والنقل عند الخاصة والعامة عن غير واحد من أئمة الهدى صلوات الله عليهم، فلقد جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام في (نهج البلاغة - الحكمة ٢٣٧) و(غرر الحكم ص١١١) و(غوالي اللئالي ج١ ص٤٠٤) و(مرآة العقول ج٢ ص١٠١)، وجاء عن سيد الشهداء الحسين عليه السلام في (تحف العقول ص٢٤٦)، وجاء عن زين العابدين عليه السلام في (تفسير الإمام العسكري عليه السلام ص٣٢٨) و(تاريخ دمشق ج٤٩ ص١٣٦) و(البداية والنهاية ج١٢ ص٤٨٥) و(حلية الأولياء ج٣ ص١٣٤)، وجاء عن الباقر عليه السلام في (نثر الدر ج١ ص٢٣٦)، وجاء عن الصادق عليه السلام في (الكافي ج٢ ص٨٤) و(الخصال ص١٨٨) و(علل الشرايع ج١ ص١٢) و(أمالي الصدوق ص٣٨).
ومع هذا التكثر والاستفاضة لا يكون للشك في صدور هذا المعنى وجه. والظاهر أن أقدم مصدر إمامي له هو الكافي عن الصادق عليه السلام، وأما الأقدم عن أمير المؤمنين عليه السلام فهو النهج.
ولا تعارض بين هذا الذي ورد بألفاظه المتنوعة وبين الآيات والأحاديث التي تفيد مطلوبية العبادة خوفًا وطمعًا، ذلك لأن المراد إنما هو أمران: بيان الأفضلية، والتحذير من انحصار الباعثية.
أما الأمر الأول؛ فيدلك عليه اللفظ الوارد عن الحسين عليه السلام وهو: «إن قومًا عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجار، وإن قومًا عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد، وإن قومًا عبدوا الله شكرًا فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة» (تحف العقول ص٢٤٦). وكذا يدلك عليه اللفظ الوارد عن الصادق عليه السلام وهو: «إن العُبَّادَ ثلاثة: قومٌ عبدوا الله عز وجل خوفًا فتلك عبادة العبيد، وقومٌ عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأُجَراء. وقومٌ عبدوا الله عز وجل حُبًّا له فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة» (الكافي ج٢ ص٨٤).
فقولهما عليهما السلام: «وهي أفضل العبادة» دالٌّ على هذه الأفضلية، لا أن الفضل مسلوبٌ من العبادتيْن الأخريْين، فإن للعبادة خوفًا فضل، وللعبادة طمعًا فضل، إلا أن الأفضل منهما والأكمل عبادة الأحرار الذين عبدوا الله شكرًا وحُبًّا ويقينًا بأنه أهلٌ للعبادة سبحانه.
وكما ورد في الكتاب ما يتضمن العبادتيْن الأخريْين؛ فإنه قد ورد فيه أيضًا ما يومئ إلى العبادة الفضلى والمثلى، التي تجعل النفس آمنةً مطمئنةً، كما في قوله سبحانه: (وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ)، وذلك حديث الصادق عليه السلام إذ يقول: «إن الناس يعبدون الله عز وجل على ثلاثة أوجه، فطبقةٌ يبعدونه رغبةً في ثوابه، فتلك عبادة الحُرَصاءـ، وهو الطمع. وآخرون يعبدونه فَرَقًا من النار فتلك عبادة العبيد، وهي الرهبة. ولكني أعبده حُبًّا له عز وجل، فتلك عبادة الكرام، وهو الأمن، لقوله عز وجل: (وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ)، ولقوله عز وجل: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ). فمن أحبَّ الله أحبَّهُ الله عز وجل، ومن أحبَّهُ الله عز وجل كان من الآمنين» (الخصال ص١٨٨ وعلل الشرايع ج١ ص١٢).
وأما الأمر الآخر وهو التحذير من انحصار الباعثية؛ فيدلك عليه اللفظ الوارد عن زين العابدين عليه السلام، وهو: «إني أكره أن أعبد الله لا غرض لي إلا ثوابَه، فأكون كالعبد الطَّمِعِ المطيع، إنْ طَمِعَ عَمِلَ وإلا لم يعمل. وأكره أن أعبده لا غرض لي إلا خوف عقابه، فأكون كالعبد السوء إنْ لم يَخَف لم يعمل. قيل له: فَلِمَ تعبده؟ قال: لما هو أهله بأياديه عَلَيَّ وإنعامه» (تفسير الإمام العسكري عليه السلام ص٣٢٨).
فقوله عليه السلام: «لا غرض لي إلا..» دالٌّ على هذا التحذير من انحصار الباعثية، فالعابد ينبغي أن لا تنحصر باعثية العبادة عنده بالخوف أو الطمع بحيث أنه لا يعبد إلا لهما، فيكون عبد طمع أو سوء، وإنما اللازم أن يجمع بينهما فيكون بين الخوف والرجاء، كما ينبغي أن يجتهد في نيته ويترقَّى - ما أمكنه - إلى عبادة الأحرار، حين يعبد ربه لما هو أهله بأياديه عليه وإنعامه.
هذا وفي أصحابنا - كالمرجع الخوئي في البيان - من يرى أن الترقي إلى عبادة الأحرار غير ممكن لغير المعصومين عليهم السلام، إذ هو تكليف بما لا يطاق. ولسنا نرى ذلك؛ لما في لحن الأخبار من التحضيض، ولشهادة الوجدان على تحقق العبادة من صفوة المؤمنين حُبًّا لا خوفًا بالضرورة ولا طمعًا. نعم؛ لا كلام في أن أحدًا لا يبلغ مرتبة المعصومين عليهم السلام في عبادة الأحرار، فجميع الخلائق دونهم في العبادة، كما لا كلام في بطلان دعوى مَن أبطل العبادة إذا انحصرت الباعثية عليها بالطمع أو الخوف؛ لأنه حينئذ تكليف بما لا يطاق، فضلًا عن كونه على خلاف الآيات والروايات.
وفقكم الله لمراضيه.
مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى
13 جمادى الأولى 1448 هجرية