رسالة (ثانية) من فتاة كويتية غير شيعية تتضمن تساؤلات متعددة حول العقيدة الإسلامية والتشيع

شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp

مكتب الشيخ الحبيب
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
أما بعد، لقد تلقيت إجابات و إني أشكرك كل الشكر لمنحي القليل من وقتك الثمين،، يوجد عندي المزيد من الأسئلة أرجو الإجابة عليها و أتمنى أني لا أضايقك فيها.
و لكن قبل أن أبدأ، أود أن اعرف بعض مصادر كلامك الذي كان كالصاعقه علي عندما ذكرت أن السيدة عائشه قامت بتسميم النبي صلى الله عليه و سلم، ماهو الدليل على ما قلت؟ أريد دلايلا أثق به لو سمحت. و مسالة أخرى أسمعها من الشيعه و هي أن السيدة عائشة منعت الإمام الحسين من دفن أخيه الحسن بجوار جده عليه الصلاة و السلام. ماهو الدليل على هذا؟؟ هل ذكرت كتبنا هذه الواقعه؟
أما أسئلتي الأخرى و هي عن الطواف حول القبور، لماذا يطوف الشيعه حول قبور الصالحين؟
والاخر أن الشيعه تميزوا بالتقيه، ماهي أدلتها ؟ و هل إستعملها النبي و أهل بيته و الصحابه ؟
و هل صحيح انها وردت في مذاهب أهل السنه الأربعه؟ و ماهو الدليل ؟
أتمنى أن أتلقى الإجابات بأسرع وقت ممكن،، لقد إختلطت علي الأمور و اني لا أنكر أن أجوبتك جعلتني أفكر مرارا و تكرارا بما قلت وأني فعلا وقعت في حيرة في أمري.
أرجو ان تتفهم ما أقصد.
ودمتم برعاية الله
الجازي


باسمه جل ثناؤه. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ج1: نحن الشيعة إنما سُمّينا بهذا الاسم لأننا شايعنا أهل بيت رسول الله (صلوات الله عليهم) واتبعناهم، ولم ننعزل عنهم كما فعل غيرنا من الطوائف، بل حرصنا وحرص أسلافنا على الالتفاف حولهم وتلقي الدين وعلومه منهم، فهم أصحاب العلم الصحيح، كما أنهم أدرى من غيرهم بسيرة جدّهم (صلى الله عليه وآله) ويعلمون حقيقة ما جرى عليه.
وقد أخبرنا أهل البيت (عليهم السلام) بأن جدّهم المصطفى (صلى الله عليه وآله) قد مضى مسموماً شهيداً، وأن اللتين سمّتاه عائشة وحفصة بأمر أبويهما أبي بكر وعمر، فقد روى المفسّر العياشي (رضوان الله تعالى عليه) - الذي كان من المخالفين ثم تشيّع والتحق بمدرسة أهل البيت عليهم السلام - عن عبد الصمد بن بشير عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: ”تدرون مات النبي (صلى الله عليه وآله) أو قُتل؟ إن الله يقول: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ، فُسَمَّ قبل الموت! إنّهما سقتاه! فقلنا: إنهما وأبويهما شرّ من خلق الله“! (تفسير العياشي ج1 ص200).
وروى أيضا عن الحسين بن المنذر قال: ”سألت أبا عبد الله (الصادق) عليه السلام عن قول الله: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ، القتل أم الموت؟ قال: يعني أصحابه الذين فعلوا ما فعلوا“! (المصدر نفسه).
كما روى علي بن إبراهيم القمّي (رضوان الله تعالى عليه) في تفسيره أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لحفصة في مجريات قصّة التحريم: ”كفى! فقد حرّمت ماريّة على نفسي ولا أطأها بعد هذا أبدا، وأنا أفضي إليك سرّا فإنْ أنتِ أخبرتِ به فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين! فقالت: نعم ما هو؟ فقال: إن أبا بكر يلي الخلافة بعدي (غصبا) ثم من بعده أبوك، فقَالَتْ: مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا؟ قَالَ: نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. فأخبرت حفصة عائشة من يومها ذلك، وأخبرت عائشة أبا بكر، فجاء أبو بكر إلى عمر فقال له: إن عائشة أخبرتني عن حفصة بشيء ولا أثق بقولها، فاسأل أنت حفصة. فجاء عمر إلى حفصة فقال لها: ما هذا الذي أخبرت عنك عائشة؟ فأنكرت ذلك وقالت: ما قلت لها من ذلك شيئا! فقال لها عمر: إنْ كان هذا حقاً فأخبرينا حتى نتقدّم فيه (نُجهز على النبي سريعا)! فقالت: نعم! قد قال رسول الله ذلك! فاجتمعوا أربعةً على أن يسمّوا رسول الله“! (تفسير القمي ج2 ص376).
وهذا الذي أخبرنا به الأئمة الأطهار (عليهم السلام) من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قُتل؛ يوافق نصّ القرآن الحكيم، فإن الله تعالى يقول: ”وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ“. (آل عمران: 145).
والمعنى الواضح فيها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيُقتل وسيعقب ذلك انقلاب الأصحاب على أعقابهم أي ارتدادهم عن الدّين، فقوله تعالى: ”أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ“ معناه: ”أَفَإِنْ مَاتَ بَلْ قُتِلَ“ لأن (أو) هنا للإضراب حيث إن الله سبحانه لا يشكّ. ونظيره قوله تعالى: ”وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ“، (الصافات: 148) بمعنى أنه أرسله إلى مئة ألف بل يزيدون.
وجمهور المخالفين يوافقوننا على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يمت حتف أنفه بل قُتل، فقد روى أحمد بن حنبل والطبراني والصنعاني عن عبد الله بن مسعود قال: ”لأن أحلف تسعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قُتل قتلاً أحبُّ إليَّ من أن أحلف واحدةً أنه لم يُقتل! وذلك بأن الله جعله نبياً واتخذه شهيداً“. (مسند أحمد ج1 ص408 والمعجم الكبير للطبراني ج10 ص109 ومصنف الصنعاني ج5 ص268 وغيرهم كثير).
غير أن الخلاف بيننا وبينهم هو في تشخيص القتلة، فنحن نقول أنهم أبو بكر وعمر وعائشة وحفصة؛ فيما هم يقولون أنهم اليهود الذين أمروا زينب بنت الحارث بأن تضع له سما في شاة مسمومة تقدّمها له، فقامت بذلك انتقاما لمقتل أخيها مرحب بن الحارث على يد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في فتح خيبر. إلا أن قولنا هو الأثبت لدواعي عدّة.
منها؛ أن قولنا مروي عن الأئمة الأطهار من آل محمد (صلوات الله عليهم) وهم كما أسلفنا أعرف من غيرهم بحقيقة ما جرى على جدّهم صلى الله عليه وآله وسلم، كما أنهم الصادقون بنص الكتاب، المبرّأون من كل عيب، فحديثهم هو الأصح والأقوم.
ومنها؛ أن محاولة المرأة اليهودية لسمّ النبي (صلى الله عليه وآله) وقعت بُعيْد فتح خيبر، أي في السنة السابعة من الهجرة النبوية الشريفة، وقد استشهد النبي (صلى الله عليه وآله) في السنة الحادية عشرة، فيكون من البعيد جدا أن تكون وفاته بسبب تناوله لهذا السمّ قبل أكثر من ثلاث سنوات إذ إن تأثير السم لا يبقى عادة إلى هذه الفترة.
ومنها؛ أن في بعض الروايات أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يتناول من الشاة المسمومة أصلا فقد أعلمه الله تعالى بأنها مسمومة فأمر أصحابه بأن لا يأكلوا منها، وكانت هذه معجزة من معاجزه صلى الله عليه وآله وسلم. روى الخطيب عن أبي هريرة قال: ”إن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة فقال لأصحابه: أمسكوا فإنها مسمومة. فقال: ما حملك على ما صنعتِ؟ فقالت: أردتُ أن أعلم إنْ كنتَ نبيّاً فسيطلعك الله عليَّ وإن كنتَ كاذبا أريح الناس منك“. (تاريخ بغداد ج7 ص384 وغيره كثير). وروى البخاري عن أبي هريرة قال: ”لمّا فُتحت خيبر أُهدِيَت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال النبي: اجمعوا إليَّ من كان ههنا من يهود، فجمعوا له. فقال لهم: إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقوني إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال لهم من أبوكم؟ فقالوا: أبونا فلان. فقال لهم: كذبتم! بل أبوكم فلان. قالوا: صدقت وبررت. فقال لهم: هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم, وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم: من أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخسئوا فيها! والله لا نخلفكم فيها أبدا. ثم قال لهم: هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم. فقال هل جعلتم في هذه سما؟ فقالوا: نعم. فقال ما حملكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إنْ كنت كذابا أن نستريح منك, وإن كنت نبياً لم يضرّك“. (صحيح البخاري ج4 ص66 وسنن الدارمي ج1 ص33 وغيرهما كثير).
ومنها؛ إن عائشة هي التي تروي أن استشهاد النبي (صلى الله عليه وآله) كان بفعل أكله قبل ثلاث سنوات تلك الشاة المسمومة! فقد وضعت حديثا على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذا الشأن، فقالت: ”كان رسول الله يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة.. ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، وهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم“! (صحيح البخاري ج5 ص137). وهي بوضعها لهذا الحديث المنافي لما سبق من أنه (صلى الله عليه وآله) لم يأكل وكان ذلك إثباتاً لنبوّته أمام اليهود؛ إنما يكون حالها حال من ينطبق عليه قول: ”يكاد المريب أن يقول خذوني“! إذ هي تحاول أن تُبعد التهمة عن نفسها بوضع هذا الحديث، وهي مشهورة بكذبها فقد صرّحت بنفسها أنها تواطأت مع حفصة على الكذب في قصة التحريم، كما كذبت على امرأة تزوجها رسول الله حين زعمت لها أن النبي يعجبه أن تقول المرأة له: أعوذ بالله منك! كما أنها قد كذبت في شأن أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد قُبض بين سحرها ونحرها بينما كان مسندا رأسه إلى علي أمير المؤمنين عليه السلام، وغير ذلك من موارد كذبها العديدة، فروايتها لهذا الحديث وبهذه الكيفية المريبة وهو حديث لم يروه أحد سواها يجعلنا نشك بأن لها مصلحة في إشاعته، ولا تكون هذه المصلحة إلا محاولتها إبعاد التهمة عن نفسها، وهو ما يؤكد ضلوعها في جريمة قتله صلى الله عليه وآله وسلم، سيّما وأنه (صلى الله عليه وآله) قد وصفها برأس الكفر وقرن الشيطان! فقد روى أحمد بن حنبل عن ابن عمر قال: ”خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت عائشة فقال: رأس الكفر من ههنا! من حيث يطلع قرن الشيطان“! (مسند أحمد ج2 ص23 وغيره كثير، وتأويلات المخالفين له لتنزيه ساحة عائشة أسخف من أن يُردّ عليها ههنا).
ومنها؛ أن هناك حديثا يرويه المخالفون عن عائشة تبرّر فيه إقدامها على وضع مادة غريبة في فم رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين كان مغشياً عليه في مرضه! فقد زعمت أن هذه المادة هي (لدود) أي دواء بمثابة الطعم! وعندما أفاق النبي (صلى الله عليه وآله) واكتشف الأمر وسأل عن الفاعل قامت عائشة بإلصاق التهمة كذبا بالعباس بن عبد المطلب عمّ النبي! إلا أنه (صلى الله عليه وآله) برّأ ساحة عمّه وأمر بأن تتناول هي ومن معها من نفس هذه المادة عقاباً، مفنّدا تبريرات عائشة بأنها كانت تخاف عليه مرض ذات الجنب واصفا (ذات الجنب) بأنها من الشيطان!
وهذا تمام الحديث كما رواه البخاري: ”عن عائشة قالت: لددنا رسول الله في مرضه وجعل يشير إلينا أن لا تلدّوني، فقلنا: كراهية المريض بالدواء! فلمّا أفاق قال: ألم أنهكم أن تلدّوني؟! قلنا: كراهية الدواء! فقال صلى الله عليه وسلم: لا يبقى منكم أحدٌ إلا لُدَّ وأنا أنظر، إلا العباس فإنه لم يشهدكم“! (صحيح البخاري ج8 ص42 وصحيح مسلم ج7 ص42 وغيرهما كثير).
وروى الحاكم عن عائشة قالت: ”إن رسول الله كانت تأخذه الخاصرة فتشتد به وكنا نقول: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عرق الكلية، ولا نهتدي أن نقول الخاصرة، أخذت رسول الله يوما فاشتدت به حتى أُغمي عليه وخفنا عليه، وفزع الناس إليه، فظننا أن به ذات الجنب فلددناه، ثم سُرِّيَ عن رسول الله وأفاق فعرف أنه قد لُدَّ ووجد أثر ذلك اللد، فقال: أظننتم أن الله سلّطها عليّ؟ ما كان الله ليسلّطها عليّ، والذي نفسي بيده لا يبقى في البيت أحدا إلا لُدَّ إلا عمّي“. (مستدرك الحاكم ج4 ص203).
ومنها؛ أن عائشة ناقضت نفسها بنفسها، ففي مرّة تزعم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد توفي من سمّ اليهودية قبل ثلاث سنوات، وفي مرّة أخرى تزعم أنه توفي بسبب إصابته بمرض ذات الجنب! مع أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد نفى إمكان أن يسلّط الله تعالى هذا المرض عليه باعتباره من الشيطان كما مرّ! روى أبو يعلى عن عائشة قالت: ”مات رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذات الجنب“! (مسند أبي يعلى ج8 ص258).
والحاصل من ملاحظة كل هذا عدم الشك في أن لعائشة دوراً أساسياً في قتل النبي صلى الله عليه وآله، وقد وقع هذا بمعونة صاحبتها حفصة، وبأمر من أبويهما أبي بكر وعمر عليهم جميعا لعائن الله.
وليس مستبعدا أن يأمر أبو بكر وعمر بتنفيذ مثل هذه الجريمة، فإنهما قد حاولا من قبلُ مع عصبتهما من المنافقين أن يقتلا الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بعد الرجوع من تبوك، وقد روى المخالفون ذلك عن أحد كبار محدّثي المخالفين، وهو الوليد بن جميع، حيث قال ابن حزم أنه: ”روى أخبارا فيها أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم وإلقاءه من العقبة في تبوك“! (المحلّى لابن حزم ج11 ص224).
وهذه الأخبار والأحاديث مفقودة مع الأسف، فقد أخفاها المخالفون منعا من افتضاح صحابتهم، وكان ابن حزم مطلعا عليها ولكنه لم ينقلها واكتفى بالطعن في الوليد بن جميع وجرحه، إلا أن ذلك لا يفيده بشيء لأن الرجل ممن روى عنه مسلم في صحيحه والبيهقي في سننه وأحمد بن حنبل في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه وغيرهم، وابن حبّان قد عدّله وترضّى عليه وذكره في الثقات، كما وثّقه الذهبي، فهو إذن من الثقات العدول الذين لا يكذبون في أحاديثهم.
هذا ولنا محاضرة مفصّلة بعنوان: ”من الذي قتل رسول الله صلى الله عليه وآله“؟ يمكنك الرجوع إليها لتقفي على تفاصيل أكثر حول هذه الجريمة البشعة.
ج2: نعم لقد ذكرت كتبكم ومصادركم حادثة قيام عائشة بمنع الإمام الحسين (عليه السلام) من دفن أخيه الحسن (عليه السلام) بجوار جدّه (صلى الله عليه وآله) محتجّة بأن البيت بيتها مع أنه ليس كذلك! فقد استولت عليه حينما سيطر أبوها على مقاليد الحكم، وكان بيتها في جانب آخر من المسجد النبوي الشريف، وقد أثبتنا ذلك بالدلائل في محاضرة خاصة بعنوان: ”هل دُفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجرة عائشة“؟ فارجعي إليها.
ولا شك في أن قيامها بمنع سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الدفن بجوار جدّه مع أنه قد أوصى بذلك إنما ينمّ عن حقد دفين اعتمل في صدرها ضدّه وضدّ أهل البيت الأطهار عليهم السلام، وإليكِ بعضا من المصادر التي ذكرت هذه الحادثة المؤلمة:
روى اليعقوبي: ”ثم أُخرج نعشه يُراد به قبر رسول الله، فركب مروان بن الحكم وسعيد بن العاص فمنعا من ذلك حتى كادت تقع فتنة! وقيل إن عائشة ركبت بغلة شهباء وقالت: بيتي لا آذن فيه لأحد! فأتاها القاسم بن محمد بن أبي بكر فقال لها: يا عمّة! ما غسّلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر؛ أتريدين أن يُقال يوم البغلة الشهباء؟! فرجعت“. (تاريخ اليعقوبي ج2 ص225).
وروى أبو الفداء: ”وكان الحسن قد أوصى أن يُدفن عند جده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة: البيت بيتي ولا آذنُ أن يُدفن فيه“! (المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء ج1 ص183).
وروى البلاذري: ”فلما رأت عائشة السلاح والرجال خافت أن يعظم الشرّ بينهم وتسفك الدماء قالت: البيت بيتي ولا آذن أن يُدفن فيه أحد“! (أنساب الأشراف للبلاذري ج3 ص60).
وروى ابن سعد عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير قال: ”سمعت عائشة تقول يومئذ: هذا الأمر لا يكون أبدا! يُدفن ببقيع الغرقد ولا يكون لهم (للنبي وأبي بكر وعمر) رابعا! والله إنه لبيتي أعطانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وما دُفن فيه عمر وهو خليفة إلا بأمري، وما آثر علي عندنا بحسن“! (ورواه عنه ابن عساكر في تاريخ دمشق ج13 ص293).
وروى الذهبي: ”قالت عائشة: لا يكون لهم رابع أبدا! وإنه لبيتي أعاطنيه رسول الله“. (سير أعلام النبلاء للذهبي ج3 ص275).
ج3: الشيعة لا يطوفون حول القبور كطواف الحج كما يوهمكِ به أعداء التشيّع الكَذَبة الذين يزعمون أن الشيعة قد استغنوا عن الحج بالحج إلى مراقد أئمتهم! إنما يزور الشيعة أضرحة أئمتهم الأطهار من آل محمد (صلوات الله عليهم) فيعمد بعضهم إلى تقبيل الأركان الأربعة للضريح تعظيما وتبجيلا للإمام المدفون فيه، فينتقل المرء من هذا الركن إلى ذاك لغرض التقبيل والزيارة فيبدو ذلك كطواف إلا أنه ليس كذلك البتّة، وحتى هذا فقد أصبح اليوم متعذّرا بسبب الزحام الشديد على الأضرحة المقدّسة ووضع الحاجز الذي يفصل بين الرجال والنساء، فلم يعد هناك من يتمكّن من الانتقال من ركن إلى ركن.
ثم على فرض أن بعض الشيعة يقصدون الطواف تعظيما، فإن ذلك لا محذور فيه شرعا، إذ لم يرد نص ينهى عن ذلك، فإذا دار الإنسان حول الضريح لا بنيّة الطواف الواجب وإنما بنية التعظيم وإبداء الولاء والمودّة لآل الرسول (صلوات الله عليهم) فلا إشكال في ذلك. على أن الدوران في هذه الحالة لا يماثل بأي حال من الأحوال طواف الحج الواجب، فليس فيه أشواط محدّدة وجعل الطرف الأيسر نحو المطوف به ولا شرط الطهارة ولا غيره من الشرائط، ثم لا يعقبه صلاة أو سعي أو حلق أو تقصير وما إلى ذلك.
وقد عرفتِ أن الذين استبدلوا الحج إلى مكة المكرمة ونقلوا شعائر الحج إلى مكان آخر طافوا حوله وصلّوا ركعتين وقصّروا شعورهم وذبحوا هديهم؛ فهم أسلاف هؤلاء الذين يسمّون أنفسهم ”بأهل السنة والجماعة“ اليوم! وذلك حين طافوا حول الصخرة المزعومة في القدس أيام عبد الملك بن مروان على ما نقلناه لك سابقا من مصادرهم.
ج4: التقية تعني اتقاء الضرر، وهي إحدى أحكام الإسلام، وهي رخصة من الله تعالى لعباده تبيح لهم ارتكاب عمل محرّم في حال الاضطرار والوقوع تحت الإكراه وخوف الضرر الشديد، وقد ذكرها الله سبحانه تعالى وأشار إليها في أكثر من آية منها قوله سبحانه: ”لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ“. (آل عمران: 29). وتفيد جواز أن يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ظاهرا في حال التقية.
وقوله سبحانه: ”مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ“. (النحل: 106). وتفيد جواز أن يُظهر المؤمن الكفر بالله تعالى في حال الإكراه أي التقية.
وقوله سبحانه: ”وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ“. (غافر: 29) وتفيد جواز أن يكتم المؤمن إيمانه ولا يظهره خوفا من طاغٍ كفرعون مثلا.
وقد استعمل التقية أنبياء الله (صلوات الله عليهم) في موارد عديدة، كما في قصّة إبراهيم وقصة يوسف عليهما السلام.
كما استعمل التقية الأئمة الأطهار من آل محمد (صلوات الله عليهم) في موارد عديدة. واستعملها أيضا أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنهم عمّار بن ياسر (رضوان الله تعالى عليهما) وهو الذي نزلت فيه بعض الآيات السالفة كما في القصة المشهورة.
وقد أباح الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) التقية لأمّته كرخصة ترفع عنهم العسر والحرج، فقد رُوي أن ”مسيلمة الكذاب أخذ رجليْن فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله. قال: فما تقول فيَّ؟ فقال: أنت أيضا. فخلاّه (أي أطلق سراحه). وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله. قال: فما تقول فيَّ؟ فقال: أنا أصمّ! فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد ذلك في جوابه، فقتله. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبرهما فقال: أما الأوّل فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له“. (فقه السنة لسيد سابق ج3 ص473 عن مصنف ابن أبي شيبة وتفسير عبد الرزاق وتفسير القرطبي ج10 ص189 وغيرهم كثير).
وكان ابن مسعود يصرّح بجواز التقية حيث له كلمة مشهورة قال فيها: ”ما من كلام يدرأ عني سوطين من سلطان إلا كنت متكلماً به“. (المدونة الكبرى لمالك بن أنس ج3 ص29).
وقد استعمل فقهاء المخالفين ومحدّثوهم التقية في غير موطن، وكان من أولئك أبو حنيفة كما رواه الخطيب في تاريخه عن سفيان بن وكيع قال: ”جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة فجلس إلينا، فقال: سمعتُ أبي حماد يقول: بعث ابن أبي ليلى إلى أبي حنيفة فسأله عن القرآن؟ فقال: مخلوق. فقال: تتوب وإلاّ أقدمت عليك! قال: فتابعه فقال: القرآن كلام الله. قال: فدار به في الخلق يخبرهم أنّه قد تاب من قوله: القرآن مخلوق. فقال أبي: فقلت لأبي حنيفة: كيف صرت إلى هذا وتابعته؟ قال: يا بني خفت أن يقدم عليَّ فاعطيته التقية“! (تاريخ بغداد للخطيب ج13 ص380).
والتقية مشروعة عند مذاهب البكريين الأربعة، وقد صرّح فقهاؤها بذلك في غير مورد. قال السرخسي: ”وعن الحسن البصري رحمه الله التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة، إلا أنه كان لا يجعل في القتل تقية، وبه نأخذ، والتقية أن يقي نفسه من العقوبة بما أظهره وإن كان يضمر خلافه، وقد كان بعض الناس يأبى ذلك ويقول أنه من النفاق، والصحيح أن ذلك جائز لقوله تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقاة، وإجراء كلمة الشرك على اللسان مكرَها مع طمأنينة القلب بالإيمان من باب التقية، وقد بيّنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخّص فيه لعمّار بن ياسر رضي الله عنه“. (المبسوط للسرخسي ج24 ص45).
والتقية على كل حال هي أمر فطري وحكم شرعي أجمعت الأمة على جوازه، قال مرتضى اليماني: ”مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن واجماع أهل الاِسلام“. (محاسن التأويل لجمال الدين القاسمي عن مرتضى اليماني ج4 ص82).
إلا أن المخالفين وأعداء أهل البيت (عليهم السلام) يشنّعون على الشيعة عملهم بالتقية، ويوهمون السذج من الناس أن التقية عند الشيعة تعادل النفاق والكذب! وهذا من أكذب الكذب! فإن التقية عند الشيعة هي نفسها عند غيرهم، لا يلجأون إليها إلا لحفظ أنفسهم وأرواحهم وأعراضهم من سلاطين الجور وأوباش الباطل، فيلجأون إليها اضطرارا، وهي في الميزان الفقهي عندهم حكم ثانوي لا أوّلي، ورخصة لا عزيمة.
نعم ربما كان الشيعة أكثر عملا برخصة التقية من غيرهم طوال القرون السابقة بسبب أنهم كانوا الأكثر تعرّضا للاضطهاد والجور، حيث تكالبت الحكومات الظالمة على ظلمهم وقتلهم وإفنائهم، حتى اضطر الشيعي لدرء المجازر عن نفسه وعن أهله وعياله لأن يصلي مع المخالفين في مساجدهم ويعمل بمقتضى مذاهبهم ويكتم إيمانه لئلا يُعرف انتماؤه لمدرسة أهل البيت الأطهار عليهم الصلاة والسلام. أما اليوم فبحمد الله تعالى ارتفعت التقية ولم يعد يعمل بها أحد إلا نادرا.
وفقكم الله وإيانا لاتباع سبيله والفوز برضاه. والسلام.

الثالث من ذي القعدة لسنة 1428 من الهجرة النبوية الشريفة.


شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp