لماذا تضر (لا تحزن) أبا بكر مع أنها وردت أيضا في رسول الله وفي أم موسى؟

شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يدعي بعض النواصب لعنهم الله أن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا تحزن ) في حادثة الغار لا تضر أبا بكر لعنه الله أو من كان معه أي كان حيث أن هناك آيات مشابهة كقوله تعالى (ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون ) وقوله (واوحينا الى ام موسى ان ارضعيه فاذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين) وغيرها من الآيات فما هو الرد على مثل هذه الشبهات؟

وفقكم الله لما يحب ويرضى ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


باسمه جل ثناؤه. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

هناك فرق بين كل خطاب، ولا يمكن تحميلها جميعا المعنى ذاته. الخطاب الإلهي للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في الآية المذكورة ليس خطاب نهي مترتب على وقوع المنهي عنه، بل هو خطاب بياني إلفاتي للغير، فعندما يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: "وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ" (النحل: 127) ليس معناه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد حزن بالفعل عليهم فنهاه الله تعالى عن ذلك! بل معناه أن النبي لا يحزن على من ضلّ وعاند الحق لأنه مأمور بذلك من الله سبحانه، والقصد منه توجيه رسالة لهؤلاء الضالين مفادها: لا تظنوا أنكم بعنادكم تُحزنون رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو تضيقون صدره، فإن رسول الله يعمل بأمر الله، وقد أمره ربّه بأن لا يحزن عليكم لأنكم لا تساوون شيئا يذكر.

وهذا نظير قوله تعالى: "فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا" (الإسراء: 23) فإن معناه ليس أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد قال لوالديْه بالفعل (أف) أو أنه نهرهما فنهاه الله تعالى عن ذلك! كيف وقد كانا حين نزول الآية الشريفة متوفّيْن وليسا على قيد الحياة! بل معناه إلفات الغير إلى ضرورة احترام الوالدين، على شكل خطاب إلهي للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو من قبيل: "إياك أعني واسمعي يا جارة".

وأما الخطاب الموجه من الله تعالى لأم موسى (عليهما السلام) فهو خطاب طمأنة استباقي قبل وقوع الفعل، لا خطاب نهي تأنيبي بعد وقوعه، فإن الله تعالى يقول: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ" (القصص: 7) فهنا بيان واضح أنه كان وحيا أوحى الله به إلى أم موسى بمجرّد ولادته الشريفة، أمرها فيه الله تعالى بإرضاعه، فإذا خافت عليه من جلاوزة فرعون وجب عليها أن تلقيه في اليمّ مطمئنة بلا خوف ولا حزن لأن الله تعالى وعدها أن يردّها له. وهكذا ليس في مدلول الآية أن أم موسى (عليهما السلام) قد حزنت بالفعل فنهاها الله تعالى نهيا عن معصية أو نهيا تأنيبيا أو توبيخيا، بل هو نوع طمأنة مسبقة.

أما في الآية الشريفة محلّ الكلام فالأمر مختلف كلية، فإن الله تعالى يحكي ما وقع بين الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر بن أبي قحافة (لعنة الله عليه) في الغار بقوله عزّ من قائل: "إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (التوبة: 40). فلاحظ هنا:

أولا؛ إنه ليس خطابا إلهيا موجها من الله تعالى لأبي بكر كما في المثاليْن السابقيْن، بل هو حكاية عما جرى في الغار ونقلٌ لما قاله النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في وجه أبي بكر.

ثانيا؛ إن النهي هنا صادر عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن فعل وقع من قبل أبي بكر، وهو الحزن. فهو نهي مترتّب على ذلك، وليس إلفاتيا للغير، أو تطمينيا استباقيا. ويشهد لذلك المتواتر من الروايات في كتب الفريقين من وقوع الحزن من قبل أبي بكر بالفعل، سواء فسّره الشيعة بأنه كان حزنا على النفس، أي أن أبا بكر كان حزينا على نفسه وخائفا من المشركين، أو كان حزنا على رسول الله وخوفا عليه كما يزعم المخالفون البكريّون. المهم أنه حزن، وقد نهاه رسول الله عن ذلك.

ثالثا؛ إن هذا النهي لم يكن ليصدر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لولا أن كان الحزن الذي اعترى أبا بكر ذنبا شرعيا وجب نهيه عنه، أو على أقل التقادير كان هذا الحزن مكروها ولا ينبغي أن يعتري المسلم المؤمن الواثق بنصر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

رابعا؛ أن حزن أبا بكر في كل الأحوال، سواءا كان على نفسه أم على رسول الله كما يزعمون، يثبت أنه كان شاكا بالرسالة إذ لا يُعقل أن يحزن المسلم على شيء يؤمن بيقين أنه لن يقع، وهو أن يلقي المشركون القبض على رسول الله ومن معه في هجرته إلى المدينة، فقد أكد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه سيكون في مأمن منهم، وأن الله سينصره ولن يتمكّن هؤلاء الكفرة منه، وعلى هذا يكون خوف أبي بكر من أن يقبض المشركون عليه تكذيبا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وشكا في نبوّته، حيث لم يقع في قلبه اليقين والتصديق بأنه سيصل إلى المدينة سالما، والمثير للدهشة أن أبا بكر رغم ما رآه من المعجزات وهو في الغار، عندما نسجت العنكبوت خيوطها وباضت الدجاجة بيضتها ظلّ شاكا! مع أن هذه المعجزات تعتبر دلائل واضحة على أن هناك تدخلا إلهيا في الأمر ولن يطال المشركون رسول الله بسوء، كما لن يطالوا أبا بكر أيضا بالتبع.

خامسا؛ أن أبا بكر بنص هذه الآية ليس من المؤمنين، لأنه لو كان مؤمنا حقا لشمله الله تعالى بنزول السكينة ولم يحرمه منها، لكن الله تعالى اقتصر إنزال السكينة على رسوله بقوله تعالى: "فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ" فقط. ولو كان أبو بكر مستحقا لهذه السكينة لوجب أن يكون منطوق الآية هكذا: فأنزل الله سكينته عليهما، وإخراج أبي بكر عن دائرة نزول السكينة يثبت أنه ظل كافرا وليس بمؤمن وإلا لوجب أن تنزل عليه السكينة لأن الله تعالى يقول في موضع آخر: "فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وعَلَى الْمُؤْمِنِينَ" (الفتح: 26) فالمؤمنون لابد وأن يُشملوا بالسكينة، سيما في مثل هذه المواضع الخطرة.

وفقكم الله لخدمة نبيه وآله (عليهم السلام) ولنيل مراضيه. والسلام.

الثالث من ذي الحجة لسنة 1426 من الهجرة النبوية الشريفة.


شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp