20 رجب الأصب 1447
الشيخ:
النظام القائم حاليًّا في إيران زائل لا محالة، فزوال أنظمة الظالمين كان على ربك حتمًا مقضيًّا؛ ولو بعد حين.
ولقد قلنا قبل عام تقريبًا أنّا نتوقع في غضون سنة إلى سنة ونصف؛ تفجُّر الوضع الداخلي في إيران بما قد يفضي إلى سقوط هذا النظام الجائر، ودعونا العاملين معنا والمحدقين بنا إلى التأهب والاستعداد للتعامل مع الواقع الجديد الذي سيتشكل إثر هذا السقوط حتى وإن أخذ مدىً زمنيًّا أطول بفعل تقاطعات متعددة داخلية وخارجية.
واليوم يُرى أنْ لم تمضِ المدة المقدرة حتى اجتاحت المظاهرات شوارع المدن في إيران، تحمل معها هذه المرة جرأةً متزايدةً واحتدادًا شرسًا بالهتاف بالموت ضد شخص الطاغية علي خامنئي، وحرق صوره علانية في الشوارع والميادين.
ولئن كنا بطبيعة الحال نتطلع إلى زوال هذا النظام؛ فإنما نتطلع إليه بحراكٍ شعبي ينطلق من منطلقات صحيحة ويرمي إلى تغييرٍ يتوخى رضا الله ورسوله وأوليائه الطاهرين صلوات الله عليهم، حين يدرك الشعب الإيراني أنه استُغفل من نظام اتخذ الدين آلةً للدنيا، لم يكن يومًا على العقيدة الصافية لشيعة أهل البيت عليهم السلام، بل كانت عقيدة رجاله مشوبةً بالنوازع البترية الدخيلة والصوفية المنحرفة. يجتهد في تلميع قتلة وأعداء آل محمد عليهم السلام ويحصِّنهم دونما وازع من دين ولا ضمير، ولا يعرف في سبيل تدعيم سلطانه وفرض إرادته إثمًا ولا يعبأ بحرمة؛ حتى لو كانت حرمة المراجع نواب الإمام عليه السلام. لا يتورع لأجل بسط نفوذه الإقليمي عن مدِّ أعداء التشيع بالإمكانات الهائلة حتى لو استعملوها في قتل الشيعة واضطهادهم. يزجُّ بهذه الأمة الشيعية في حروب وصراعات مدفوعة بأوهام العظمة، ويخيط لهزائمه المتوالية سُتُرًا منقوشة بالآيات والروايات، ويحيط رجاله بهالات مصطنعة من القداسة ويدعي لهم الكرامات؛ وهم أصفارٌ من كل تقوى وورع وعلم وفقاهة، منتحلون للمقامات.
فإذا كان الحراك الشعبي الإيراني نابعًا من هذا الإدراك؛ عازمًا على تصحيح المسار في احترام تام لمبادئ الدين، حريصًا على هوية الشعب الإيراني المحافظ وانتمائه الإيماني العميق، قاصدًا أن تتحول الدولة الإيرانية إلى دولة مهدوية همُّها التمهيد حقًّا لظهور إمام الزمان صلوات الله عليه بنشر الإسلام والتشيع والرفض في العالم؛ فنحن ساعتئذ سنكون أول المؤيدين لهذا الحراك. أما أن يكون هذا الحراك منطلقًا من منطلقات فاسدة مريضة يستدعي فيها الماضي الشاهنشاهي المظلم الكئيب، راميًا إلى تحويل إيران إلى دولة تدور في فلك الصهاينة، منسلخة إلى الانحلال والتفسخ الأخلاقي؛ فلا ولا كرامة! تأبى قيمنا السامية أن نكون مع حراك كهذا عنوان حريته المزعومة: خلع الحجاب!
ولعلنا لا ننكر ونحن في بدايات هذا الحراك؛ أن أطيافًا متعددة تشارك فيه عفويًّا مشاركة أبناء الشعب المقهورين فيه، ومنهم أهل الدين والصلاح، وأن لدى هؤلاء وأولئك مطالب معيشية محقة، إلا أننا لسنا كغيرنا ممن تحركهم عواطفهم وانفعالاتهم؛ فلا نتهور ونستعجل في التأييد مدفوعين ببغضنا لهذا النظام، ولا نرى من الحكمة إلا التأني ريثما يتضح أن الزمام أصبح بيد أيٍّ من هذه الأطياف، فحينئذ نرى رأينا ونحدد موقفنا - إن شاء الله تعالى - على هدىً من منهاج القرآن والعترة صلوات الله عليهم.
وأيًّا يكن المرسى؛ فإن ما يبعث على السخرية هو هذا السعار الذي نراه لدى بقايا أبناء الحميراء عائشة تجاه الأحداث في إيران، حيث يهللون مسبتشرين ويتراقصون فرحين، وذلك كله مبني على توهمهم أن سقوط نظام خامنئي سيكون نعمة عليهم، والحال أنه سيكون عليهم أكبر نقمة! ذلك لأن هذا النظام أسدى للملة البكرية معروفًا لا يقدر بثمن، بقمعه لكل من يجاهر بالبراءة من أبي بكر وعمر وعائشة داخل إيران، وتضييقه الخناق على كل صوت رافضي حر.
إذا سقط نظام خامنئي فلن تكون لأبي بكر وعمر وعائشة حصانة داخل إيران بل ولا خارجها! لأن النظام الجديد - في أحسن حالاته - سيعود إلى ما كانت عليه إيران مذ تشيَّع أهلها؛ رافضي الهوية والاتجاه، وفي أسوأ حالاته سيكون علمانيًّا فاجرًا لا يبالي بالدين أصلًا ولا يقحم نفسه في صراعات المذاهب. ففي كل الحالات؛ لن يكون للنظام الجديد همة في قمع الأصوات الرافضية في الداخل، ولا في محاربتها بإمكاناته السياسية والمالية والإعلامية في الخارج، كما هو حاصل معنا حيث وظَّف هذا النظام أدواته الكثيرة في محاولة محاصرة دعوتنا والافتراء علينا بالعمالة وما إلى ذلك، فأحدث ما هو معلوم من الشرخ داخل البيت الشيعي الواحد.
يا لبلاهتكم يا معشر أبناء عائشة! لقد رزقكم الله بلاهة نادرة لا مثيل لها! فاليوم أنتم تتراقصون، لزوال نظام خامنئي مستعجلون، ولا تدركون أن زواله سيكون لعنةً عليكم، إذ ستزول مع زوال هذا النظام أجندته البترية، وسيعود عامة الشيعة تباعًا إلى ما كانوا عليه قبل قيام هذا النظام، أي سيعودون - بإذن الله - إلى منهج وخطاب الصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي والحلبي والكراجكي والحلي والتستري والكركي والمجلسي ومن إليهم من أفذاذ هذه الملة العظيمة المنصورة المتمسكة بالثقلين، المعلنة براءتها من الجبتيْن.
سيعود الشيعة إلى ما كانوا عليه من المجاهرة بالرفض لأنه لن يكون في أوساطهم من يحارب ذلك بإمكانات (دولة) وقدراتها الهائلة. أنتم قد رأيتم كيف أن كل هذه الإمكانات والقدرات لم تستطع وأد الصحوة الرافضية التي قمنا بها بفضل الله ورسوله صلى الله عليه وآله، ولم تنجح في إسكات الأصوات التي تعالت وتفاعلت معها في النيل من رموز النفاق وفضحهم علانية، بل ولم تنجح حتى في إيقافها عند حد معين، فلقد تزايدت وانتشرت وتطورت في هياكل ومؤسسات ومشاريع عالمية، حتى اجتاح التشيع دياركم أيها البكريون، وتشيع آباؤكم وأبناؤكم، وأمهاتكم وبناتكم، وإخوانكم وعشائركم، وصرتم تعولون وتولولون إذ لم يعد من تبقى منكم يهيج إذا سمع سب أبي بكر أو لعن عائشة مثلا، فالقضية أصبحت ظاهرة يتعايش معها معظمكم بحمد الله. فما ظنكم حين تختفي هذه الإمكانات والقدرات التي وظَّفها خامنئي بإمكانات نظامه ودولته وأحزابه وأذياله وأبواقه؟! إنه لا ريب في أن الدعوة الرافضية ستشق حينئذ طريقها بسلاسة بإذن الله دونما مقاومة تذكر في الداخل الشيعي، اللهم إلا من جيوب هنا وهناك ليس لها خطر. وهذا معناه أن الدعوة الرافضية ستغدو أكثر ضراوة مما هي عليه الآن، حتى لا يبقى للمعتقد البكري من عمد ولا سند، ولا يبقى لرموز السقيفة من احترام ولا إكرام.
فما أغباكم يا معشر أبناء عائشة! إنه لم يأتِ في تاريخنا المعاصر من الداخل الشيعي مَن تودَّد لكم مثل خامنئي! ولم يأتِ مَن اضطهد أبناء ملته وشعبه لأجل تحصين رموزكم من السب واللعن مثله! بل ولم يأتِ من أغدق عليكم بالأموال وبنى لكم المساجد والمعاهد ودعم مؤسساتكم وحركاتكم وعقد معكم مؤتمرات الوحدة والتقريب مثله! واليوم أنتم تكافئونه بهذا الجحود والنكران، تتمنون زواله بغبائكم مع أنه أكثر من يخدمكم ويرفدكم ويميُّع العقيدة الشيعية لأجلكم!
لو كنتم أيها الأغبياء ذوي فطنة؛ لأعلنتم اليوم نفيرًا للدفاع عن نظام خامنئي وحمايته من السقوط! لأنكم لن تجدوا نظامًا بتريًّا مثله يأتي بعده في إيران ويمكنه أن يسيطر على الدعوة الرافضية ويكبح جماحها!
لذا حق للعقلاء أن يسخروا منكم ومن بلاهتكم! فغدًا إذا سقط خامنئي ستفرحون، ولكن ما إن تروا ما يأتي بعده؛ ستندمون! وعلى خامنئي ونظامه ستترحمون!