2009 / 01 / 08
صدر عن الشيخ ياسر الحبيب البيان التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
الصلاة والسلام عليك يا ثار الله وابن ثاره والوتر الموتور يا أبا عبد الله الحسين ورحمة الله وبركاته.
قال الله المنتقم الجبار: ”وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا“. صدق الله العلي العظيم. (النساء: 93).
هي صورة أموية يزيدية من صور الإجرام؛ تلك التي وقعت يوم الثامن من محرم من هذا العام، ولسنا نرى لها تعبيراً غير هذا، كما لا نرى لها تفسيراً غير هذا.
كنا قد اعتدنا أن نشهد مع حلول يوم عاشوراء من كل عام حملة من القمع والاضطهاد تمارسها أجهزة المخابرات والأمن التابعة للنظام الحاكم في طهران ضد المؤمنين الذين يصرّون على إحياء شعائر مولانا أبي عبد الله الحسين (صلوات الله عليه) فيسيلون دماءهم مواساةً له واستشعاراً لآلامه وإيذاناً بفدائهم له في أسمى لوحة تعبيرية إنسانية تجسد هذه المعاني العظيمة، حين يكون التعبير بالدم، وهو من أغلى ما يملكه الإنسان.
وكان المؤمنون في إيران التشيّع والولاء قد اعتادوا على الممارسات الظالمة لتلك الأجهزة القمعية، فكان الشباب الحسيني المخلص والوفي يوطّن نفسه على الاعتقال والجلد والتعذيب وكسر الأيدي والأرجل وما إلى ذلك مما يعتبره من أقلّ التضحيات وأرخصها في سبيل إحياء قضية سيد الشهداء (أرواحنا فداه) والمحافظة على شعائرها المقدسة كي تبقيها حيّة متجدّدة على مرّ الزمان. ملتزمين في كل ذلك بفتاوى وتوجيهات مراجع التقليد العظام (أدام الله ظلالهم) الذين اتفقت كلمتهم على استحباب هذه الشعائر المقدسة وعلى الأخص شعيرة التطبير والإدماء، والذين نادوا بضرورة التضحية في سبيل إبقاء هذه الشعائر العظيمة.
وكنا نظن أن الدافع الذي يدفع أولئك الذين يحاربون هذه الشعيرة المقدسة وغيرها من شعائر مظلوم كربلاء (صلوات الله عليه) هو شعورهم بالنقص والانهزام الحضاري أمام الآخر، سواءً كان كافراً أم مخالفاً. أما ذاك الذي يحكم طهران وما حولها بالحديد والنار فكنا نظن أن الذي يدفعه إلى إصدار أوامره بالتنكيل كل سنة بالمطبرين هو خوفه من الشعائر الحسينية أن تذكي روح التمرّد عليه وعلى نظامه الفاسد، لأن هذه الشعائر وشعيرة التطبير بالذات تنزع عن المرء الرهبة والخوف مما قد يلحقه من مقارعة الظالمين، وتغذي فيه روح التمرّد والثورة على الجائرين. وغير خافٍ كيف أن مقاومة العدو الصهيوني في جنوب لبنان إنما بدأت واشتعلت من النبطية حين انطلقت مواكب التطبير يوم العاشر من محرم. فهكذا يكون التطبير سلاحاً يرهب جميع الطغاة والظالمين في كل العالم.
هكذا كنا نظن أو نتصوّر الدافع الذي يدفع هؤلاء باتجاه محاربة شعائر أبي عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه. غير أن ما وقع في يوم الثامن من محرم من هذا العام كشف لنا أن الدافع أكبر من هذا بكثير، وأنه ينطلق مما يمكن اعتباره نزعة أموية يزيدية قد تملّكت هؤلاء، سيّما هذا الذي يحكم طهران وما حولها بالحديد والنار، وإلا فليفسّر لنا أحدٌ كيف يسوغ له ولجلاوزته أن يقتلوا ”بدم بارد“ عدداً من المؤمنين الحسينيّين كلّ ذنبهم أنهم كانوا يحضّرون أنفسهم لإسالة دمائهم حزناً ومواساةً لسبط رسول الله صلى الله عليه وآله؟!
أحد هؤلاء فتىً لم يتجاوز عمره سبعة عشر عاماً، اسمه حميد زين العابدين رضائي، من منطقة سده (التي تسمى الآن بخميني شهر) في أصفهان، كان ضمن الذين شملتهم حملات الاعتقال المعهودة كل عام، إلا أن الذي استفزّه وأحرق فؤاده هذه السنة أنه رأى الجلاوزة في حملة الاعتقال لا يكتفون بضرب الشباب بوحشية وتقييدهم واقتيادهم إلى أقبية السجون فحسب؛ بل يقومون بتمزيق الأعلام المعدّة لمواكب التطبير والتي تكون عادة باللونين الأبيض والأحمر مكتوبةً عليها عبارات من قبيل: (حيدر - يا حسين - يا شهيد كربلاء - يا زينب الحوراء.. إلخ) ثم يتعمّدون بكل خسة ودناءة أن يطأوها بأقدامهم!
لم يحتمل هذا الشاب المؤمن المنظر؛ فصرخ بأعلى صوته معترضاً على هتك حرمة هذه الأسماء المقدسة، فما كان من أحد الجلاوزة إلا أن أخرج مسدسه ووضع فوّهته على صدر هذا الشاب وأطلق رصاصةً أردته قتيلاً مضرّجاً بدمائه رحمة الله عليه! ثم إن جثمانه محجوز حتى الساعة لم يسلَّم إلى أهله!
بالله أ ثمة صورة أموية يزيدية أبشع من هذه في عصرنا هذا؟!
هَب أن التطبير - جدلاً - حرامٌ؛ فأي فقيه من فقهاء الإسلام يقول بأن عقوبة من يمارسه تكون القتل؟! وهَب أن قتل المطبِّر جائز؛ فأي فقيه من فقهاء الإسلام يجوّز هتك حرمة أسماء المعصومين (صلوات الله عليهم) ووطئها بالأقدام؟!
إننا إذ تعتصر قلوبنا ألماً لهذا المُصاب، فإننا نعزّي مولانا ولي أمر المسلمين الإمام الحجة بن الحسن (صلوات الله عليهما) كما نعزّي أهالي وأسر الشهداء لا سيّما أسرة هذا الفتى البطل، ونسأل الله تعالى أن يجعل لهم قدم صدق عنده مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام.
أما ذاك الذي يحكم طهران وما حولها بالحديد والنار، فإنّا نعلن تجريمه شرعاً وتحقق النزعة الأموية اليزيدية فيه، علاوة على ما هو معلوم من انتحاله صفة المرجع وتعدّيه على مقام إمامنا المنتظر (عجل الله تعالى فرجه) إذ سمّى نفسه ولي أمر المسلمين دونه.
وكذا نجرّم الجلاوزة الذين اعتدوا على المؤمنين الأخيار بالقتل والسجن والتعذيب، ونسأل الله أن يأخذهم وكبيرهم الذي علّمهم الإجرام أخذ عزيز مقتدر، وأن يقرّ عين إمامنا وولينا (عليه السلام) ويقرّ عيون شيعته بهلاك هؤلاء الطغاة وانضمامهم في جهنم إلى زمرة أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ويزيد وشمر وأضرابهم عليهم اللعنة والعذاب.
ثم ههنا كلمة إلى المؤمنين من شيعة آل محمد (صلوات الله عليهم) بضرورة عدم السكوت عن هذه التجاوزات والانتهاكات الخطيرة التي شوّهت صورة الحكم الإسلامي الشيعي العادل، فينبغي القيام بوظيفة الإنكار على السلطان الجائر ورفع العقيرة في وجهه، وليكن نداء إمامنا الحسين (صلوات الله عليه) نصب الأعين إذ قال: ”أيها الناس؛ إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحُرُم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول؛ كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله“.
والله إن هؤلاء قد جاروا واستحلّوا حُرُم الله، ونكثوا عهد الله، وخالفوا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله، وعملوا في عباد الله بالإثم والعدوان.. أ فهل يتحمّل أحدنا أن يدخله الله تعالى مدخلهم في النار - والعياذ بالله - لسكوته عنهم؟!
فليضع الواحد منا نفسه في موضع أبي ذلك الشاب الشهيد، أو أخيه، ولتضع كل واحدة منا نفسها في موضع أم ذلك الشاب الشهيد، أو أخته.. لنستشعر آهات هؤلاء الثكلى وآلام هؤلاء المفجوعين بأبنائهم وإخوانهم الذين لا ذنب لهم سوى حبهم وموالاتهم لأبي عبد الله الحسين أرواحنا فداه.. وليكن في معلومنا أن السكوت لن يجرّ إلا الندم حين تدور الدائرة على كل فردٍ فردٍ منا لتهاونه في أداء وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما يدفع الطغاة والظالمين إلى ارتكاب المزيد من الجرائم الوحشية حيث لا يجدون أحداً يقف في مواجهتهم.
اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد..
ياســر الحبيــب
لندن - محرم الحرام 1430